بهذه النفوس القوية، وبهذا الإيمان الناصع، سنتغلب على أعدائنا، وسنرد كيدهم في نحورهم، وسنهدم عليهم بيتهم العنكبوتي، وسندخل عليهم الباب وسنغزوهم قبل أن يغزوننا وبعد أن يغزوننا، فثغراتهم كثيرة، وسلاحنا أقوى وأفتك من سلاحهم، هذا فضلًا عن معية الله عز وجل {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال- 17] .
ورب العزة الذي خلق النفس البشرية {أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ اَلخَبِير} [الملك-14] ، يُقدِّم لهذه النفس المؤمنة الصورة الحقيقية لهذا الأذى في ميزان الله، يستصغره لكي لا يكون عائقًا في طريق المؤمن {لَن يَضُرٌّوكُم إِلاَّ أَذَى وَإِن يُقَاتِلُوكُم يُوَلُّوكُم الأَدبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُون} [آل عمران-111] ، {وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضِركُم كَيدُهُم شَيئًا إِنُّ اللهَ بِمَا يَعمَلُونَ مُحِيط} [آل عمران-120] ، فكل ما يستطيعه الأعداء هو إلحاق بعض الأذى المادي بالمؤمن دون المساس بعقيدته أو تغيير مبادئه، ومن هنا ندرك أن أهم عنصر في المعركة هو العقيدة، وبأن الأذى المرهوب لا يفتُّ من عضد المؤمن شيئًا مقارنة مع الوعد المرغوب.
ويقوى هذا الشعور أكثر ويزداد المؤمن إقبالًا على نصرة عقيدته والدفاع عن دينه حينما يسمع قول خالقه جل وعلا: {إِن تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإِنَّهُم يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُون} [النساء-104] . فالعدو يألم هو كذلك، ويخالجه نفس الشعور من الخوف وإصابته بالأذى وفقدانه لما يحرص عليه ويحبه في هذه الحياة. ولكن الفرق شاسع بين ما ينتظره هذا وما يبتغيه ذاك، فالمؤمن يبتغي نصر الله في الدنيا ليحقق عبودية الله عز وجل وتحرير العباد من كل العبوديات الباطلة، {اَلَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ، وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّه عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج-41] ، بينما عدوه يحرص على النصر والتمكين للإفساد في الأرض والعلو فيها بغير حق {إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ وجَعَلَ أَهلَهَا شِيَعًا يَستَضعِفُ طاَئِفَةً مِنهُم يُذَبِّحُ أَبنَاءَهُم وَيَستَحيِي نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ اَلمُفسِدِين} [القصص-4] .
آلام جسدية من جراح وقتل من جراء الحرب الدائرة، وهي آلام مشتركة تطال المؤمنين والكفار على حد سواء وإن كانت درجاتها متفاوتة وكيفية استقبالها مختلفة. فالمؤمن يستقبل هذه الجراحات والآلام بصدر رحب ويعتبرها ابتلاء ينال عليها الأجر والثواب، ويمحو الله له بها السيئات، ويستشعر قوله تعالى: {إِن يَمسَسكُم قَرحُُ فَقَد مَسَّ القَومُ قَرحُُ مِثلُه، وَتِلكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاس، وَلِيَعلَمَ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا وَيتَّخِذّ مِنكُم شُهّدَاء} [آل عمران-140] ، كما يَعتبِر هذه الضربات الموجعة تدريبًا له على تحمل تبعات الطريق، وضريبة لابد منها قبل التمكين في الأرض وإحراز أي نصر مادي، فالضربة التي لا تقصم ظهرك لا تزيده إلا قوة.
آلام روحية ومعنوية تتمثل أساسًا في انعدام الأمن والإحساس بالقلق والخوف الدائمين، فالمؤمنون المجاهدون يعيشون حالة من الخوف والقلق المصحوب بحالة من الترقب الدائم والحذر الشديد، وهي منحة في صورة محنة، {وَلنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَات} [البقرة-155] ، حيث يضطرون إلى البحث عن أسباب النصر والتمكين، وإحباط خطط وكيد أعدائهم