فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 80

ومن بين ثمار هذا النصر العظيم هو سقوط هيبة العدو في نفوس المسلمين وغير المسلمين، وتبين للناس أجمعين أن هذا العدو لا يساوي شيئًا حتى في الموازين المادية بالرغم من كثرة عتاده وسلاحه، وبأن الشعوب التي تمتلك الإرادة وتستعد للتضحية بإمكانها أن تقهر هذا العدو المتغطرس وتغلبه، فما بالك إذا كان هذا الشعب مسلمًا ومتوكلًا على الله ومحققًا لشروط النصر من إعداد وتنظيم وانضباط؟!

ولنضع نصب أعيننا أن نصر الله آت لا محالة، وبأن الغلبة لعباده المؤمنين، مهما بدا لنا العدو قويًا وجبارًا، فلا يلبث أن يظهر على حقيقته في ساحات المعارك، وحقيقته أنه ضعيف وجبان، يستمد قوته من ضعفنا وتهيبنا وهيبتنا له، ولكن حينما يجد أمامه من لا يخاف إلا الله ويسارع إلى الشهادة، فإنه يتحول إلى أرنب ويبدأ في عملية التراجع للخروج من المأزق الذي سقط فيه، وغالبًا ما يكون هذا بفتح معارك وجبهات جديدة ليستنزف نفسه أكثر، ويخرب بيته بيده وبأيدي المؤمنين.

ولأجل هذه الغاية العظمى بعث الله الرسل واستخلف أممًا وسخَّر لها ما في السماوات وما في الأرض، وهو دليل على أن لا شيء أعظم قيمة عند الله من هذه الغاية، فحق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، فهو لا يرضى لعباده الكفر، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، ومن هنا تأتي عملية الاستبدال - التي تعني في الصميم - غضب الله وانتقامه من الفرد أو الجماعة أو الأمة التي أشركت مع الله، ليحل محلهم فرد أو جماعة أو أمة أخرى لتحقيق حق الله عليهم.

فالإمهال وسيلة ذات حدين، يمكن أن تكون نعمة على البعض ونقمة على البعض الآخر، ومن ينظر إلى واقع أمتنا اليوم يجد أن الكثير من المسلمين داخلون في هذه الحالة، فبعد أن نكثوا عهدهم مع الله وابتعدوا عن النهج القويم، ساروا يهتمون بمتاع الحياة الدنيا، غير مبالين بواجباتهم الدينية، من نصرة لدين الله ولإخوانهم المستضعفين والمجاهدين في كل مكان، بل منهم من تحول إلى أنصار للباطل بسبب خوفهم من ذهاب ما هم فيه من متاع دنيوي عابر، وبهذا يكونون قد سقطوا في امتحان الإمهال الرباني ولم ينفعهم في شيء، وتحول بالتالي إلى نقمة سرعان ما يسبقها عذاب الله وغضبه.

ومن أهم المحطات التي تمر بها الأمم قبل عملية الاستبدال، هي محطة التيه، وهي من أخطر المراحل وأقساها على النفوس، ومن أهم المراحل وأنفعها للدعوة ولأصحاب الحق. ذلك أنها تعتبر مرحلة تصفية للصفوف وتمحيص للنفوس، وفي هذا منافع عديدة ونفيسة للتجمعات الإيمانية.

لقد شاء الله عز وجل لهذه الأمة أن تكون خاتمة الأمم وشاهدة عليها {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة-143] ، فعملية استبدالها غير واردة البتة، بخلاف عملية التيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت