من سنن الله عز وجل الثابتة في الدعوات أن جعل النصر والتمكين مقرونا بتوفير الشروط أو العوامل المعنوية قبل المادية {إِنْ تًنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتُ أَقْدَامَكُمْ} ونصر الله يتجلى أساسًا في التمسك بمنهجه ومن منهجه سبحانه أن يبحث العبد عن أسباب النصر والقوة والغلبة لتحقيقها في الواقع.
كما أن النصر المادي الظاهري يتحقق على أيدي القلة المؤمنة في مقابل الكثرة الكافرة، والناظر إلى سير الأنبياء والمرسلين يلمس هذه الحقيقة جلية ناصعة منذ أن بعث الله أول رسول على وجه الأرض - سيدنا نوح عليه السلام - وصولًا إلى خاتم المرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وانتهاء بكل فئة مؤمنة قائمة على أمر الله حتى قيام الساعة.
الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن أنبياء الله ورسله ومن معهم قد جسّدوا تعاليم دعوتهم في أنفسهم أولًا ثم في محيطهم ثانيًا وكان هذا في حد ذاته كافيًا ليتحقق النصر بإذن الله حتى وإن لم يحققوا النصاب المادي في محيط صراعهم {وَما النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ الله، إِنَّ اللهَ عَزِيزُُ حَكِيم} [1] . فكان الله سبحانه وتعالى يأمر السنن الكونية وجنوده الأخفياء لتحقيق هذا النصر من حيث لا يدري خصوم الحق ويأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا. بل في أغلب الأحيان يأتي هذا النصر حينما يظن أهل الباطل أنهم قادرون ولن يُغلبوا بسبب كثرة عددهم وقوة عتادهم، وفي الوقت الذي يظن فيه أهل الحق أنهم منهزمون لا محالة وأن لا أمل في النجاة وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونْ} [2] وقوله: {ذلِكُمْ وَأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِين إِنْ تَسْتِفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرُُ لَكُمْ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِين} [3] ، وفي حق المؤمنين يقول رب العزة: {حَتًّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين} . [4]
وكان من القدر الرباني أن يقع مهلك طالوت على يد الغلام داود، ومهلك الطاغية فرعون هذه الأمة - أبو جهل - على يد غلامين من المسلمين، وها نحن نرى التاريخ يعيد نفسه على أرض أفغانستان والشيشان والعراق وغيرها من مواقع الصراع، حيث يسقط كبار العسكريين - قتلى أو أسرى - على أيدي مجاهدين لا يقيم لهم هؤلاء الأعداء أي وزن مادي أو دنيوي، ولا يملكون من الألقاب الجاهلية أي رصيد، سوى الدرجات العلا عند الله، التي يستخف بها أعداؤهم ولا يقيمون لها وزنًا.
(1) الأنفال- 10
(2) الأنفال- 60
(3) الأنفال 29
(4) يوسف -110