ترعرع في كنف فرعون الذي كانت نهايته على يد موسى بقدر من الله وإرادته بعد بضع سنين، فنبي الله موسى لم يتربَّ على يد فرعون بل على يد الله عز وجل وتحت عينه ولكن داخل قصر فرعون {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه] ، حيث سخَّر الله تعالى فرعون وما يملك كأداة ووسائل قدرية ساعدت على تنشئة موسى بدنيًا وعقليًا وحتى علميًا، وهي كفاءات يحتاج إليها كل قائد فضلًا عن نبي مرتقب.
أما الشطر الأهم الذي يتعلق بالجانب الروحي والإيماني فقد تلقاه موسى خارج القصر وبعيدًا عن التلوث الفرعوني وفساده النموذجي {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص] ، وكذلك صنعت وريثته أمريكا وهاماناته وجنودهما في هذا العصر، فما تركوا فسادًا إلا ونشروه في الأرض، وما تركوا صلاحًا إلا وحاربوه وحاولوا إزالته.
لاشك أن الدروس المستفادة من هذه الغزوة عديدة ومتنوعة، بحسب مواقف الناس منها، ولكن المجمع عليه أن هذه الغزوة، قد نجحت في التأثير على مجريات الأحداث على جميع الأصعدة، بدءًا بالجانب السياسي مرورًا بالصعيد الاقتصادي والعسكري وانتهاءً بالصعيد الاجتماعي، سواء داخل كيانات الأعداء أو على مستوى الأمة ذاتها، فقد كانت بداية الألفية الثالثة مطبوعة ببصمات جهادية وضربات مفاجئة ستكون بحول الله بداية النهاية لأعداء الله ونهاية الانتكاسات والذل والصغار أمام عباد الله وأوليائه المجاهدين.
فالزلزال كبير والتصدعات عميقة والتشققات واسعة، يصعب لملمتها وإعادة البناء كما كان من قبل، فالضربة جاءت مفاجئة للجميع، وهذه هي عين الحكمة والتطبيق السليم لأمر رسولنا الكريم:"الحرب خدعة". وقوله عليه الصلاة والسلام:"اليوم نغزوهم ولا يغزوننا".
إن عملية التغيير لابد أن ترافقها تضحيات جسام سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، في الجانب المعنوي أو المادي، فكل تغيير لابد أن يصاحبه انقلاب وتطور من حالة إلى حالة أخرى، وهذا يتطلب تضحيات عدة وخسارة للكثير من المكاسب المادية والعادات القديمة التي تعوَّد عليها المرء.
طبيعة النفس البشرية أنها تألف الحاضر ولو كان مرًا، وتحاول التأقلم معه لكي تتفادى كل عملية تغيير من شأنها أن تنفق فيها أي جهد مهما كان بسيطًا.
من أجل هذا فإن عملية التغيير تسبقها فترات تربية وإعداد لهذه النفس حتى تكون قادرة على تجاوز كل العقبات المعنوية فضلًا عن المادية.