إن سياسة الطغاة - على مر العصور- هو أن يسيطروا على الأوضاع في محيطهم، وخير وسيلة لتحقيق ذلك هو تشتيت الجموع من حولهم لكي تضعف ولا تجتمع على رأي واحد من شأنه أن يهدد بقاءهم. ولقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة التي استعملها فرعون مصر، والذي يعتبر نموذجًا وقدوةً لكل الفراعنة من بعده {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص 4] .
لقد كثرت الأحزاب وقدم لها الطغاة كل التسهيلات اللازمة لكي تكون طرفًا في اللعبة السياسية، وحدد لها مساحات وهوامش معينة لا يجوز تجاوزها، لكي تكون قانونية ومقبولة. بل إنها أصبحت طرفًا مباشرًا في الحكم والتشريع وسياجًا للطواغيت ضد غضب الشعوب.
تتلقى هذه الشعوب شتى أنواع الأذى والحرمان من أبسط حقوقها، قبل ظهور الدعاة والمصلحين، فلا ذنب لهؤلاء إذن في عملية التعذيب والحرمان التي تتعرض لها هذه الشعوب، وهو دليل على النية المبيتة سلفًا من قبل هذه الأنظمة الحاكمة، وأن سياسة التهميش والحرمان تعتبر جزء لا يتجزأ من سياسة الحكم المتبعة.
لقد كانت بنو إسرائيل تعيش الهوان وتلقى شتى أنواع التعذيب والحرمان من قبل فرعون وجنوده، لقد استخفهم بهذه المعاملات القاسية المتواصلة حتى أطاعوه {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين} ، فلو لم يكونوا فاسقين لما أطاعوا فرعون فيما لا يرضي الله، هذا أولًا، أما ثانيًا: فإن بني إسرائيل أرادوا التغيير بالأماني والقعود، بدلًا من التضحية والحركة. وهذا هو مصير الشعوب الخائفة التي تخشى من المواجهة وتؤثر حياة الدعة والذل بدل حياة التقشف والكرامة.
حينما تقوى شوكة المصلحين ويبدءون في إيلام هؤلاء المفسدين وتهديد مصالحهم وهدم أركانهم وزلزلة عروشهم، فإن هؤلاء الطواغيت يلجأون إلى أساليبهم المعهودة، وهي الانتقام من أهالي وأنصار هؤلاء المجاهدين، وهم أناس ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، نساء وأطفال وشيوخ، حيث يبدءون في نهب ثرواتهم وأرزاقهم، وحرق محاصيلهم وضرب الحصار عليهم لتجويعهم، محاولة منهم لصدهم عن نصرة الحق، والوقوف إلى جانب الطغاة في حربهم على المجاهدين.
أو يستعملون أسلوب الطرد من أعمالهم أو إغلاق محلاتهم ومشاريعهم التجارية وغيرها من مصادر أرزاقهم. أو يزجون بالشباب في السجون بعد محاكمات صورية ظالمة، لقضاء مدد طويلة وراء القضبان، محرومين من أبسط الحقوق الإنسانية، بل منهم من يلقى حتفه تحت وطأة التعذيب المتواصل.
كل هذه الأساليب وغيرها كثير، تدفع فئات من الشعب إلى التذمر والسخط، بعد أن ينفذ صبرهم، ومنهم من تنكسر إرادته وتخور عزيمته وينفذ صبره، فيتحول إلى عنصر خذلان للحق، وينتمي إلى صفوف الباطل، لعله يتفادى هذه الضربات ويجود عليه أهل الباطل بكسرة خبز ملوثة ولحظة أمان مزيف ومؤقت.