والنوع الآخر من النصرة التي ينبغي علينا إحياءها في نفوس المسلمين هي نصرة أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من العلماء الربانيين والمجاهدين الصادقين والدعاة الصالحين، أفرادًا كانوا أم جماعات، فهذا واجب يقع على عواتقنا جميعًا.
فالحرب الدائرة بين أهل الحق وأهل الباطل تعتبر من أشرس الحروب التي عرفتها البشرية على الإطلاق، ولم تجتمع كلمة الذين كفروا وأشركوا وارتدوا على ضرب الإسلام والمسلمين كما اجتمعت هذه الأيام، ونحن نرى أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم محاربون ومطاردون في الشعاب وفي القفار، ومحاصرون من كل جانب، وهاهم يتنقلون ويبحثون عن النصرة - كما كان يفعل قدوتهم ومثلهم الأعلى صلى الله عليه وسلم حينما كان يطوف على القبائل وكفار قريش يمنعونه من تبليغ رسالة ربه، بل يتتبعون آثاره لتشويه سمعته ومنع الناس من سماع الحق الذي يحمله.
فها هو التاريخ قد دار دورته وأعاد نفسه من جديد، وها نحن نرى هذه العصابات المجاهدة تطوف في البلدان، تقاتل بيد وتبسط اليد الأخرى تعرضها على القبائل -هنا وهناك- وهي ترجو أن تجد من يبايعها ويجدد معها بنود هذه البيعة لمقارعة أعداء الله ونشر دينه ليظهر على الأديان كلها ولو كره الكافرون.
وقد رأينا استجابة العديد لهذه العصابات المقاتلة، رخّصوا أنفسهم وأزواجهم وأولادهم وأموالهم في سبيل نصرتهم وإيوائهم، بالرغم من المصاعب والآلام التي يلاقونها بسبب هذه الوقفة الأنصارية، واستحقوا بذلك أن يكونوا أنصار عصرهم بكل ما في هذه الكلمة من معاني وأبعاد.
فغاظوا أعداء الله ووقفوا لهم بالمرصاد، سراَ وعلانية، يرجون رحمة الله ويخشون عذابه، وهم يدركون أنهم يقومون بأعظم القربات إلى الله تعالى، في زمن قلّ فيه النصير، وقوي فيه العدو وكثر، فلله درُّهم من أنصار جدد، ابتعثهم الله ليجسدوا هذه البيعة الخالدة المتجددة، فطوبى لهم وحسن مآب.
فالمؤمن متعلق بربه ويعتبر هذه الدنيا دار ممر، يتزود بها لآخرته، وهو حينما يُقدم على هذه البيعة يعلم يقينًا أنه سيلاقي الصعاب والمتاعب، وهو موقن بأن الله ناصره وحاميه، ولكي يحافظ على نقاء هذه البيعة وصفائها، تراه يجرد قلبه من كل الأطماع المادية والدنيوية، سوى طمعه في رحمة ربه وابتغاء جنته.