فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 80

التميز:

يتمثل في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [1] ، لقد تميزوا عن قومهم بالإيمان بالله واعتناق عقيدة التوحيد المخالفة لدين قومهم، مهما كثر من حولهم ومهما قل عددهم هم في مواجهة ما يؤمن به المخالفون من حولهم، فالنفوس المؤمنة تكون قلة في بداية الأمر ثم ما تلبث أن تتكاثر وتتجذر في المحيط الذي تتحرك فيه.

حينما يلجأ المؤمن إلى ربه ويؤمن به وحده، وهو في موقف الضعف، فإن الله تعالى يقف إلى جانب عبده ليقويه ويثبته وينير له الطريق، فيزيده هدى الثبات والاستقامة على هدى الإيمان.

لقد تميز الفتية عن قومهم بأن فارقوا دين آبائهم وأجدادهم، ودين قومهم بالرغم من أنهم كانوا من علية القوم، ولم يكن ينقصهم متاع الحياة الدنيا الذي يتنافس عليه الناس ويتصارعون من أجله.

تلك هي الخطوة الأولى في طريق التغيير، لابد من أن تتميز بعقيدتك وأخلاقك وتعاملاتك، فذلك بمثابة تأسيس النواة التي سيحوم حولها المؤمنون معك وكل الأنصار القادمين.

التحدي:

بعد التميز تأتي استفزازات المخالفين لك في العقيدة والانتماء، فتبدأ سلسلة مواجهات كلامية - في بداية الأمر - لكي تغير قناعاتك وتتنازل عن معتقداتك فتعود إلى ما عليه القوم، لأن في ذلك انتصار لمذهبهم وحفاظ على مكتسباتهم واستمرار لسلطتهم، ولكن المؤمن الصادق لا يسعه إلا أن يقابل هذه الاستفزازات بتحد صارخ لا يقبل المساومة، ولا يترك مجالًا للعودة إلى الوراء، بل هو إعلان للبراءة مما يخالف عقيدته؛ {إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [2] .

وقد قالها فتية الكهف في مواجهة قومهم {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [3] .

تثبيت لألوهية الله عز وجل وربوبيته في هذا الكون ووحدانيته، ونفي كل شريك معه، ويترتب على هذا التصريح بالكفر بما سواه، ويترجم هذا بالخروج عن القوانين الوضعية وعدم التحاكم إليها، والسعي الحثيث لإزالتها واستبدالها بشريعة الله عز وجل المنزلة. وقد يتولد على هذا التحدي مجموعة تبعات لابد من تحملها والقيام بها على أحسن وجه، مهما كلف ذلك من تضحيات وخسائر.

إن الإيمان حينما يخالط بشاشته القلوب المؤمنة، فإن أصحابها لا يأبهون بما يتبع ذلك، فهم يستمدون قوتهم وثباتهم من الله عز وجل، ويتقدمون إلى الأمام للإعلان عن هذا الميلاد الجديد، وعن هذه الحياة

(1) الكهف:13

(2) الممتحنة:4

(3) الكهف:14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت