وكذلك المبدأ والاقتناع بضرورة التحرك في هذا المسار، ولم يصل بعد إلى مستوى الانفصال عن الجماعة، فكل ما في الأمر هو"وهن العزيمة".
فالفرد في الجماعة الإسلامية لا ينبغي أن يكون محركه الأول هو إرضاء الأشخاص، بل عليه أن يرضي الله وحده، ويقدم ما يقدمه من عمل وجهد في سبيل نصرة الحق، سواء عمل الناس أم لم يعملوا، تقدموا أم أحجموا، بذلوا أم بخلوا، أعطوا أم منعوا، حسبه في ذلك أن يرضي ربه ويواصل الطريق ولو كان وحده.
ومن ثم لا ينبغي أن يؤثر فيك تراجع الآخرين أو قعودهم، وحسبك أن العمل هو الحق وأن القعود هو الباطل، والجماعة هي أولًا ارتباط بالحق قبل أن تكون ارتباطا بالأشخاص، وهذا يكفي ليدفعك إلى المزيد من العطاء ومواصلة الطريق وإن كان موحشًا بل حتى وإن كان خاليًا من الأنصار.
إن انتفاش الباطل وأهله لا يعدو أن يكون مرحلة من عمر هذه المعركة الأبدية بينه وبين الحق وأهله، وهو من شأنه أن يشحذ هممنا ويقوي عزائمنا من أجل المزيد من العمل والمثابرة والصمود لتغيير معادلة الصراع القائم بيننا وبينه، ولمحاولة ترجيح كفة الحق.
ولا ينبغي أن تكون غلبة الباطل - لحين أو لسبب ضعفنا - مدعاة وسببًا لانتشار الوهن في نفوسنا، لأن الباطل مهما علا وانتشر فإنه سرعان ما سيزول لأنه قائم على فراغ {وُقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء-81] .
بل إنك ترى المتقاعس يبذل جهدًا في التقاط عيوب إخوانه وينقب عن بعض النقائص في جماعته، ليتخذ منها مبررًا ويقول بملء فيه:"هذا هو السبب الذي جعلني أتذمر من دعوتكم"، دون أن يترك لإخوانه فرصة لإزالة هذه الشبهات من رأسه، وقد يتحول في بعض الأحيان إلى مصدر تشويه خارج الجماعة حينما يقرر المسؤولون عزله وتهميشه ثم استبداله بغيره من الإخوة النشطين، وحينما يصل الأمر إلى هذه الدرجة فإن عملية العلاج تتعقد للغاية. وقد يتحول هذا الفرد إلى مصدر إزعاج وربما ثغرة كبيرة يدخل منها العدو ليحدث أضرارًا بالجماعة.
ومن هنا فإن المؤمن الذي ينتظر ما عند الله ويؤثره على ما في هذه الدنيا الفانية، لا يمكن أن تضعف عزيمته وتخفت همته، وإن أصابه بعض الضعف إلى حين، فإنه سرعان ما يستعيد عافيته ويواصل جهاده لتحقيق وعد الله تعالى في هذه الدنيا.
وعليه فإن منهج التربية الصحيحة ينبغي أن يركز كثيرًا على هذه النقطة، بحيث يعمل دائما على محاربة الشح في النفوس وعلى نقل الفرد من الارتباط بالدنيا وملذاتها إلى ملاحظة ما أعده الله للمؤمنين في الآخرة، ويكون هذا عن طريق تعويده على النفقة والتخفف من متاع الدنيا الزائل.