ومن أنواع النفقة في مرحلة الجهاد أيضًا، هو إمكانية فقدان الأهل والولد في سبيل الله تعالى، وذلك حينما يكون المجاهد مخيرًا بينهم وبين ترك الجهاد والركون إلى الدنيا في مقابل الحفاظ عليهم، سواء بسبب رفض أهله مواصلة الجهاد معه، أو بسبب الضغوط والمساومات التي يتعرض لها من قبل الأعداء حيث يخيرونه بين ترك الجهاد وبين التضحية بأهله وولده، فلا يكون خياره حينئذ إلا مواصلة الجهاد والنفقة بأهله قربانًا إلى الله تعالى إما بالاستشهاد أو التهجير.
ومن أنواع النفقة التي يكون المجاهد مدعوًا إلى أدائها، هو التضحية بالمناصب الدنيوية كالوظيفة أو التجارة أو المعارف الشخصية سواء مع الأفراد أو الجماعات، وكم من مصلحة ستفوته بسبب تعارضها مع مقاصد جهاده، وكم من فريق سيعلن عداءه له بعدما كان من أقرب الأقربين إليه، ولابد للمجاهد أن ينفق ويزهد في كل هذا حفاظًا على مبادئه وعلى جهاده، وكم ذا سيخسر من مصالح دنيوية زائلة ومن شهرة ومكانة بين الناس، كانت تعلي من درجته أو قيمته الاجتماعية، ويجد نفسه مخيرًا بين الحفاظ عليها وعلى مدح الناس له وبين إنفاقها وذم الناس له.
ونصل إلى النوع الأخير من أنواع النفقة، وهو ذروة سنامها: إنه إنفاق النفس التي بين جنبيك، وهو العقد الكبير بينك وبين ربك منذ اليوم الذي التزمت فيه بهذا الدين، ورضيت أن تكون من معتنقيه وأنصاره {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُون} [1] ، ولا شك أن هذه المرتبة لا يمكن أن يبلغها المؤمن إلا بعد أن يتدرج في أنواع النفقات التي سبق الحديث عنها، فالذي يبخل بوقته لا يمكن أن ينفق ماله، كما أن الذي يعز عليه ماله ومنصبه وتجارته لا يمكن أن يقدّم نفسه رخيصة في سبيل الله، فلابد إذن من تدريب النفس وتعويدها على النفقة، ولتبدأ باليسير ثم الأقل يسرًا حتى تصل بها إلى عسير الأشياء وأعزها على النفس، وتوصل نفسك إلى أقصى البر وأعلى مراتبه.
النفقة في العسر هي المحك، فهنا تظهر حقيقة الإيمان والالتزام، لأنه ما أسهل أن ينفق المرء في حالات اليسر، وما أسهل أن يدّعي المرء الشجاعة والكرم والجود في حالات الرخاء والفراغ، ولكن القليل من يوفِّي ويصدق في دعواه حينما تشتد المحن ويقل الزاد وينادي منادي الجهاد.
(1) التوبة:111