أما أولئك المتساقطون في الطريق، فمن الخير ومن مصلحة الدعوة أن يتساقطوا لأنهم ضعفاء ولن يستطيعوا مواصلة المسير، وبالتالي وجودهم في الصفوف مدعاة للهزيمة والضعف، ويعتبر الابتلاء ثم التمحيص خير وسيلة لتصفية الصفوف، بدلًا من تجميع الأصفار، وتحويل التجمع إلى غثاء كغثاء السيل، يضر أكثر مما ينفع، وهذا ما نشاهده اليوم في الساحة، وهو لا يمثل حقيقة التجمع المبدئي الذي ينصر الله به دينه.
إعلم أن عملية الإعداد لا تتم في السراديب، وإنما تتم في واقع، فهناك من الأعمال ما هو داخل في الإعداد لا يمكن أن تقوم بها إلا علنًا، ولكن الكثير بل الجزء الأكبر يجب أن يكون سرًا، ولا يمكن للعدو أن يعلم به، ولسنا من دعاة الاستعجال أو استفزاز العدو ليقحمنا في معارك جانبية وهامشية لا مصلحة لنا فيها، فيجب علينا أن نعلم متى نخرج للمعركة وفق مقوماتنا ووفق برنامج يتوافق وإعدادنا، هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية والواقعية فأحيانًا يصعب عليك تطبيق برنامجك، وتجد نفسك مضطرًا إلى اتخاذ بعض المواقف العملية علنًا، التي من شأنها أن تكشف أمورًا، فالمسيرة لابد أن يكون فيها خسائر، لأن الطريق مفروش بالأشواك والعقبات وليس بالورود.
ومن يظن أنه سيقطع كل أشواط الإعداد دون أن يُعرف أو يتنبه العدو لبعض تحركاته ويكشف بعض مواقعه، فهذا غافل عن سنن الله في الدعوات، وعليه أن يبحث عن عالم آخر يتحرك فيه، وسنن أخرى لدعوته الغريبة.
فأما الإضرار بالدعوة فقد سبق أن تحدثت عنها سابقًا وقلت إن الدعوة تنشط أكثر وبصفة فعالة حينما يكون التجمع في مرحلة الابتلاء والتمحيص وليس العكس، لأن الذي يلتحق بالتجمع حينئذ يعلم يقينًا ما ينتظره في الطريق، وسيخلو التجمع من كل عناصر النفاق والضعف، كما كانت المرحلة المكية بالنسبة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يكن هناك نفاق ولا منافقون.
أما تكوين القاعدة، وهي القاعدة الصلبة التي ستتحمل البناء فيما بعد، فهي الأخرى لا يمكن أن تتم وتتأسس إلا في مدرسة التمحيص والابتلاء {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون} [1] ، أما بناء القواعد في الرخاء وسعة الأمر فينتج عنه البناء الغثائي كما هو واقع حالنا اليوم، حيث أن الأعداد هائلة ولكن الإنتاج ضعيف إن لم أقل منعدم، إلا لدى التجمعات التي توجد في مراحل الابتلاء والتمحيص والمواجهة مع العدو.
إن القاعدة العريضة الحقيقية لا تنشأ في فراغ أو خلال التربية النظرية، بل وسط ألغام الابتلاء والتمحيص والحركة، فمن الذي يخيف العدو يا ترى؟ ألوف مؤلفة من القاعدين أم عشرات من المتحركين؟ انظروا
(1) العنكبوت -1