فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 80

هذا هو الحكم الشرعي المنسي فيما يخص المرتد، والذي حلًّ محله الحكم الوضعي الذي يساوي بين المسلم والمرتد، بل تراه يعظِّم المرتد ويعلي من شأنه ويقلِّده المناصب الكبرى والحساسة في الحكم والتسيير.

لا شك أن من أعظم أسباب كفر هؤلاء المرتدين بعد تركهم لحكم الله تعالى واستبداله بحكم الطاغوت وعدم اتباعهم لشرع الله جملة وتفصيلًا، هو موالاتهم للكفار الأصليين وتبعيتهم لهم حذو القذة بالقذة، بالإضافة إلى الخضوع التام لأوامرهم وقوانينهم الكفرية.

فهذه العلاقة المحرمة نشأت منذ فجر ما يسمى كذبًا وزورًا ب"استقلال بلداننا"أو ما اصطلح على تسميته"بحروب التحرير"، فالمحتل الصليبي ما استطاع أن يتمكن من بلداننا إلا بفضل التعاون المتين لهؤلاء المرتدين، حيث رضعوا من لبن ثقافته حتى الثمالة، وخضعوا لعملية تربية دقيقة في بلدان الكفر أو في بلداننا على أيدي الخبراء الصليبيين واليهود، لكي يقوموا بأدوار رئيسية في الحفاظ على مصالح أعدائنا، مقابل الفوز بمناصب الحكم.

إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن هذه العلاقة الجدلية والوطيدة بين الكفار الأصليين وهؤلاء المرتدين في قوله {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [1] ، بل إن هؤلاء المرتدين لديهم درجة أعلى في الكفر، يستحقون بسببها أشد أنواع العذاب في الدنيا والآخرة، ومن لم يفهم هذه العلاقة وهذه الحقيقة ويدركها فلا زال في ضلال مبين، ولا يزال بحاجة إلى إعادة الفهم لدينه على ضوء فهم السلف الصالح.

أما على المستوى الداخلي، وبخاصة التعامل مع الفئات الحاكمة في بلداننا، فإن الطامة أكبر، والمصيبة أعظم، حيث أننا نرى فقهًا جديدًا يسمى بفقه المصالح المرسلة أو كما يعبرون عنه بقولهم المشهور"حيثما كانت مصلحة فثم دين الله"، بمعنى أن الدين ينبغي أن يدور مع مصالح القوم، وليس العكس، وكل ما يتعارض مع هذه المصالح فليس من دين الله تعالى في اعتقادهم.

هذه هي القاعدة البدعية الجديدة التي بنوا عليها فقهًا عريضًا وطويلًا، ما شهدنا مثله من قبل في سلفنا.

الشيء الذي انبثق عنه نتائج وخيمة وغريبة، مفادها أن الحاكم - بالرغم من ردته - يعتبر ولي الأمر الشرعي ينبغي الخضوع له واتباع أوامره ومبايعته على السمع والطاعة في المنشط والمكره.

لقد ابتلينا بهكذا جماعات، انحراف في العقيدة وانحراف في التطبيق، وقلب للموازين والمفاهيم الصحيحة اتجاه أعدى وأخطر فئة على الدين، ألا وهي فئة الردة والنفاق.

فلا يمكننا والحالة هذه، أن نتعامل مع هذه الطوائف إلا بمزيد من الحذر، واعتبارها أنصارًا مباشرين لهؤلاء المرتدين، وسياجهم الذي يتحصنون به في مواجهة جماعات الجهاد أو ما يسمونه بالجماعات الإرهابية.

(1) الأنفال -73

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت