كما أن معرفة الواقع وموقفنا منه، يحدد نوعية الوسائل المتبناة من أجل إحداث هذا التغيير أو الإصلاح. فالذي يؤمن مثلًا بأن الواقع القائم هو واقع إسلامي صالح - بدون دليل شرعي سوى اتباع الظن والهوى-، سواء بنظمه ومؤسساته أو سواء بالشرائح البشرية الفاعلة فيه، فإنه سيسعى للتعاون مع هذا الواقع والمساهمة في دعمه وتقويته، وأقصى ما سيكون برنامج عمله، هو السعي إلى إصلاح بعض الانحرافات الطفيفة التي طرأت على هذه المجتمعات دون المساس بأسسها ومناهجها، ودون التفكير في مواجهتها أو الاصطدام معها فضلًا عن معاداتها والبراءة منها.
وفي الطرف الآخر، نجد من يؤمن ويعتقد بأن هذه المجتمعات فاسدة، قائمة على الباطل، وتعادي الحق وأهله وتسعى بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات لتجسيد وترسيخ هذا الباطل في النفوس وعلى أرض الواقع، ويسعى أصحاب هذا الاعتقاد لنصرة الحق الذي يؤمنون به، ومحاربة هذا الباطل، ولا مجال هنا للحوار أو المداهنة فضلًا عن الركون أو الانقياد لأصحاب الباطل.
الذي نعتقده يقينًا أن الإسلام لم يأت لكي يُبقي على الأوضاع القائمة أو محاولة إحداث بعض الإصلاحات الطفيفة عليه مع الإبقاء على أصله وجوهره، بل إن دوره هو إحداث تغيير جذري في هذا الواقع.
إن ديننا يطلب منا أن نتميز بمنهجنا، ولا يمكن أن نلتقي مع هذا الواقع الجاهلي الفاسد بأي حال من الأحوال، لأننا على مفترق الطرق، طريقان متعاكسان، كما هو شأن الحق والباطل، لا يمكن أن يلتقيا أبدًا، فإما منهجنا الشرعي القويم الذي يستمد قوته من الرحمن وإما منهج الفساد والطغيان الذي يستمد شرعيته من الشيطان.
وعليه، فإنه قبل التفكير في بدء التغيير المرتقب، ينبغي البدء بفهم أهم العناصر التي تكوِّن هذا الواقع فهمًا عميقًا ودقيقًا على ضوء الشرع الحنيف، وسوف نسرد تلكم العناصر حسب أهميتها، ونبين الموقف الشرعي الواجب اتخاذه تجاهها - حسب فهمنا لدين الله تعالى الموافق لفهم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم وفهم العلماء الأثبات العاملين لهذا الدين، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، والذين يقولون كلمة الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، لا يحسبون حسابًا لدنيا تفوتهم أو بلاء يصيبهم، في سبيل تبليغ الحق الذي يؤمنون به، فبهم نقتدي وعلى نهجهم نسير، وعلى الله نتوكل وإليه ننيب وإليه المصير.
-القوانين السائدة
المجمع عليه من قبل الجميع أن القوانين المعمول بها في بلداننا العربية والأعجمية، هي قوانين وضعية، عبارة عن خليط من القوانين الكفرية المعمول بها في بلاد الكفر الأصلية، منقحة ببعض القوانين الشرعية، التي وُضعت لمجرد تزيين صورة هذه الدساتير ولا تحظى بأي تطبيق على أرض الواقع.