فلا غرابة أن نرى هذا الإصرار الكبير وهذه الاستماتة الفريدة من قبل قوات الباطل، على مواصلة الحصار وجمع العدة والسلاح وتأليب الأحزاب، لمحاولة استئصال شأفة هذه العصابات المباركة المجاهدة، وسط ذهول المسلمين وقعودهم، ووسط تثبيط المثبطين وتخذيل المتخاذلين، ولكن الله من ورائهم محيط، وعلى إهلاك أعدائه قدير، وعلى نصر عباده قوي عزيز.
النصر هو انتصار العقيدة، وانتشارها بين الناس وسريانها في النفوس بالرغم من الحصار والانكسار الذي قد يصيب حاملي الحق في فترة من فترات الصراع مع حاملي الباطل.
أما النصر بمفهومه الأرضي فهو ظهور المبدأ بالقوة وتطبيقه على أرض الواقع، حتى ولو كان الناس له كارهون ورافضون، كما هو الشأن بالنسبة للاحتلال الكافر، والذي تمثله اليوم أمريكا (وكل من يدور في فلكها) بكل عنجهية وتكبر وغطرسة ونكران للطرف الآخر.
فالحق يكون منتصرًا حتى وإن كان حاملوه لا يستطيعون تجسيده على أرض الواقع، كما هو حاصل اليوم بالنسبة للحركات الإسلامية المجاهدة، التي تجسد الإسلام في أعلى وأجل صوره بالرغم من غربتها ونكران القريب لها قبل البعيد.
فما نراه اليوم من تحالف أحزاب الكفر والنفاق والردة على جماعات المؤمنين وعصابات المجاهدين هنا وهناك، لهو خير دليل على أن هذه الفئات المجاهدة الصابرة قد انتهجت طريق الحق، وكلما تمسكت بهذا الحق وصبرت عليه وثبتت على دينها، كلما كان ذلك مدعاة للآخرين للانضمام إلى صفوفها وتوسيع دائرتها، وكلما اقترب النصر والتمكين، ولكن أكثر الناس لا يفقهون هذه السنة الربانية، بسبب بعدهم عن دينهم وعن الممارسة الفعلية لهذا الدين في الواقع.
من شروط النصر؛ الصبر على المحنة والابتلاء، ومواصلة الطريق رغم الجراحات والحرمان، ويتجلى ذلك في قوله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [1] .
فمن شروط النصر؛ النفقة في سبيل الله بالمال، وهو دعامة أساسية يحتاجها الجهاد في كل مراحله، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فقد قال ابن كثير:"ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال {وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [2] ."
(1) البقرة -214
(2) البقرة