فالحياة في هذا الدين تبدأ أولًا؛ بهجر حياة الماضي بكل ما فيها من سلبيات ومحاولة كسر كل القيود القديمة التي كانت تمنع المسلم من الانطلاق والتحرر، ومن ثم تفجير طاقاته المخزونة - وما أكثرها - في عبادة الله عز وجل.
تبدأ هذه الحياة بترك الراحة والدعة، وتسخير بعض الوقت في التقرب إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، ويعتبر وسط الليل أو آخره من أهم هذه الأوقات على الإطلاق، ذلك أن المؤمن يتزود بطاقة ربانية تمكنه من التصدي لعواقب النهار والانتصار على الشهوات التي تلاقيه في الطريق.
إنه زاد روحي عجيب، يصاحبه المؤمن في رحلته اليومية مع هموم الدعوة وتبعاتها، يذيب بها كل العراقيل، وتنير له الطريق، والتجربة خير دليل.
ولا غرابة أن يفرض قيام الليل على المسلمين في بداية الدعوة، حيث دام أكثر من عام، {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} . [1]
ولم يرفع عنهم إلا بعد أن تربى المسلمون وتزودوا ما فيه الكفاية لحمل أمانة الدعوة، وما يتبعها من أذى وابتلاء، ما كان لهم أن يتحملوها بغير ذلك الزاد الروحي الفريد - زاد قيام الليل -
قال صلى الله عليه وسلم:"عليكم بقيام الليل، فإنَّه تكفير للخطايا والذنوب، ودأب الصالحين قبلكم، ومطردة للداء عن الجسد". (رواه الترمذي والحاكم) .
إنها أمانة ثقيلة وتحتاج إلى رجال عظام، هم بدورهم بحاجة إلى زاد روحي كبير يمكنهم من تحمل تبعات هذه الأمانة؛ {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} . [2]
إن قيام الليل علامة من علامات صلاح الأبدان وقوة النفوس، وهو بمثابة محطة تربوية للروح والبدن على حد سواء، محطة تزود وامتحان للنفس على تحمل المشقات والتعود على الحرمان والصبر على المحن، فالذي يترك فراشه الدافئ الوثير ليقف بين يدي ربه ناجيًا وسائلًا وراجيًا، لهو أجدر وأقدر على تحمل تبعات هذه الدعوة الثقيلة ولا شك.
لابد من النظر إلى الأعداء ومتابعة خطواتهم والاستفادة من تجاربهم، فبالرغم من أنهم على باطل؛ فإننا نرى عندهم استماتة وتضحية وإصرار على المضي في تحقيق أهدافهم.
(1) المزمل 1 - 6
(2) فصلت - 35