الشيخ: وهذا أيضًا من رواية الصحابة عن الصحابة, وكذلك أيضًا فيه تشرف ابن عمر بروايته عن أبيه فذكره, مع إمكانه أن يروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثقة وأبوه كذلك وخليفة راشد, عليه رضوان الله من خيرة الصحابة وأجلائهم, ومع ذلك ذكر الرواية عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء في مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه, ولم يخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه وإنما أخرجه من حديث أبي هريرة، وذلك أن هذا الحديث تارة يرويه ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا يذكر أباه, وتارة يذكر أباه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الذي دعا البخاري رحمه الله إلى عدم إخراجه لتشدده واحترازه في باب الرواة.
الملقي: [قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) ] .
الشيخ: وهنا في هذا حكاية من عمر بن الخطاب عليه رضوان الله لابنه عبد الله فيه حرص الصحابة عليهم رضوان الله في تحديث أبنائهم بالوقائع التي تكون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم, والحوادث التي شهدوها, والأقوال التي سمعوها فيحدثون به أبناءهم, وعبد الله بن عمر مع كونه غلامًا عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن في حرص عمر بن الخطاب عليه رضوان الله في إبلاغه أمثال هذه الأحكام وهذه المسائل وهذه الأحاديث حرصًا ظاهرًا في تعليمه وإرشاده ودلالته إلى تلك المعاني.
وفي قوله:"بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم"في هذا إلى أنهم يجلسون كحال الحلق حول النبي عليه الصلاة والسلام يتحلقون ويستمعون إليه.
وفي هذا أيضًا حرص الصحابة عليهم رضوان الله على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم والجلوس إليه خاصة في مسجده, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) ، ومعنى روضة من رياض الجنة يعني: موضع للتعليم والذكر ولهذا جاء في السنن قال: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا, قال: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) .
إذًا: فالمراد في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) ، يعني: هلموا واجلسوا إليها لتغنموا بذلك الجائزة, ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: (كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقة, فجاء ثلاثة نفر, فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها) ، والنبي يتحدث, (وأما الثاني فلم يجد فرجة فجلس خلفهم, وأما الثالث