فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 67

فأدبر ذاهبًا, فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قال: ألا أخبركم خبر النفر الثلاثة؟ أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله, وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه)، يعني: تردد, استحيا أن يخرج واستحيا أن يقول للناس ويتحدث معهم بأن يفسحوا له فاستحيا وجلس خلفهم, وذلك أن الناس إذا كانوا حلقة واحدة بانتظام جلوس الإنسان خلفهم منفردًا فيه نوع سكوت, ولكنه استحيا من تركها, وحرص عليها فاستحيا فاستحيا الله منه, (وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه) .

ولهذا يذكر غير واحد من العلماء على أن الإنسان إذا سمع حلقة من حلق الذكر وجاءها فإنه يجب عليه أن يجلس فيها ولو قليلًا إذا كان فيه إلا كلام الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز له أن يخرج, وأما جلوسها إلى التمام فهذا بحسب حال الإنسان وقدرته واستطاعته؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فأعرض فأعرض الله عنه) ، يعني: بإمكانه أن يجلس ولو يسيرًا ويذهب فاستحق بذلك الإعراض كإعراضه عن أمر الله سبحانه وتعالى.

الملقي: [ (لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) ] .

الشيخ: وفي هذا أيضًا دقة نظر الصحابة, ومعرفتهم للقادم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنصرف عنه أنه جاءه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر, وهذا استشكال, وذلك أنه جمع بين المتناقضات في المعتاد, وذلك أنه إذا كان شديد سواد الشعر, وشديد بياض الثياب ولا يعرفه منا أحد, يعني: أنه من المدينة لابد أنه نعرفه, ومن خارج المدينة فكيف يكون شديد بياض الثياب ولم يكن مسافرًا, المسافر يكون أغبر وأشعث فكيف شعره شديد السواد, وثوبه شديد البياض, ثم لا نعرفه, من أين أتى؟

فهذا فيه لفتة إلى شد انتباههم إلى هذا القائل, ولو قدم إليهم وهو أشعث أغبر ما شد انتباههم لأنهم يعلمون أنه مسافر من ضمن العابرين, ولكن جمعت حاله نوع من المتناقضات في الظاهر حتى يلفت انتباه الجميع لهذا الغريب الذي اجتمع في وصفه شيء لا يجتمع في وصف أحد عادة حتى يلتفت الانتباه إليه.

وفي هذا أثر المشاهدة مع الكلام أن الإنسان إذا تكلم ينبغي له أن يشحذ همم السامعين إليه ليروه حتى يستوعب المراد من قولهم, وأما مجرد الكلام من غير التفات وإدراك لحاله فإن ذلك يضعف من أمر المعلوم الذي يريد الإنسان إيصاله.

فجعل الله سبحانه وتعالى حال جبريل عليه السلام على مثل تلك الحال وذلك الوصف حتى ينتبه الصحابة إليه فيرقبوا لحظه وقوله وفعله؛ ولهذا نلحظ في رواية عبد الله بن عمر عن أبيه في حال جبريل أنه نقل وصف حال جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم بوصف دقيق بحركاته وسكناته وكيف قرب وكيف انصرف, وماذا سأل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت