لأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي يخدع في البيوع: (( إذا بايعت فقل: لا خلابة [1] ) [2] .
جه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي يخدع بأن يشترط عدم الخداع، فدلّ ذلك على أنه لا خيار بالخداع والتدليس، إلا إذا شرطه [3] .
لمناقشة:
وقش هذا الاستدلال بثلاثة أمور:
1 -أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بأن يقول: (( لا خلابة ) )لا يدل على عدم ثبوت خيار الخداع والتدليس إلا بالشرط، فالأحاديث الأخرى دلت على أنه ثابت للمشتري بلا شرط، وإنما أمره بذلك؛ ليطلع البائع أنه ليس من ذوي البصائر في أمور البيع فينصح له، ويمكن أن يقال: إن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك تأكيد لما يقتضيه عقد البيع من السلامة، وعدم الخديعة.
2 -أن الخديعة المذكورة في هذه القصة يحتمل أن تكون في العيب أو في الكذب أو في الثمن أو في الغبن، فحملها على أحد هذه الاحتمالات بخصوصه يحتاج إلى دليل [4] ، ومن المعلوم أن الحنفية يثبتون خيار العيب بلا شرط مع احتمال دخوله في هذا الحديث [5] .
3 -أن هذا الحديث ليس قضية عامة تحمل على العموم [6] ، بل هو قضية عين خاصة [7] ،
(1) خلابة: هي الخديعة، فلا خلابة أي: لا خداع.
[ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد الهروي (1/ 341) ، النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (خلب) ، (2/ 58) ، الفائق في غريب الحديث (1/ 274) ] .
(2) رواه البخاري في كتاب البيع - باب ما يكره من الخداع في البيع -، رقم (2117) ، (2/ 94) ، ومسلم في كتاب البيوع - باب من يخدع في البيع -، رقم (1533) ، (3/ 1165) . من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.
(3) ينظر: إعلاء السنن (14/ 189) .
(4) ينظر: عارضة الأحوذي (6/ 8) .
(5) ينظر: شرح فتح القدير (6/ 354) ، تبيين الحقائق (4/ 31) ، حاشية ابن عابدين (5/ 3) .
(6) ينظر: عارضة الأحوذي (6/ 8) .
(7) قضية العين: هي الوقائع التي جاء الحكم فيها بخلاف العموم في حق أفراد معينين دون التصريح بالعلة.
[ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه (3/ 405) ، شرح الكوكب المنير (3/ 376) ، إرشاد الفحول ص (162) ] .