الْعَالَمِينَ) [1] ، فالآيتان من باب التكرير لا التأكيد اللفظي الصناعي ومنه الآيات المتقدمة في التكرير للطول.
ومنه ما كان لتعدد المتعلق بأن يكون المكرر ثانيا متعلقا بغير ما تعلق به الأول وهذا القسم يسمى بالترديد كقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) [2] وقع فيها الترديد أربع مرات.
وجعل منه قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [3] ، فإنها وإن تكررت نيفا وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها ولذلك زادت على ثلاثة ولو كان الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة لأن التأكيد لا يزيد عليها قاله ابن عبد السلام وغيره، وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النقمة للتحذير نعمة وقد سئل أي نعمة في قول تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [4] ، فأجيب بأجوبة أحسنها النقل من دار الهموم إلى دار السرور وإراحة المؤمن والبار من الفاجر.
وكذا قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) [5] في سورة المرسلات لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول فكأنه قال عقب كل قصة (ويل يومئذ للمكذب بهذه القصة) ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى" [6] ."
قال أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله-:"فإن قيل: ما الفائدة في تكرار قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ؟."
الجواب: أن ذلك التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها، قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف
(1) سورة آل عمران، من الآية: 42.
(2) سورة النور، من الآية: 35.
(3) سورة الرحمن، من الآية: 13: 77.
(4) سورة الرحمن، الآية: 26.
(5) سورة المرسلات، الآية: 19.
(6) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مرجع سابق، 2/ 180 وما بعدها بتصرف يسير.