ضرورة أن أفهام المفسرين من الصحابة، ومن جاء بعدهم من التابعين وتفاوت مداركهم، وتعدد مصادر التفسير وطرقه النقلية والعقلية، كل ذلك أدى إلى التباين والاختلاف في الآراء، وهذا بدوره اقتضى عرض الأقوال والنظر في أدلتها، ومناقشتها ثم الترجيح استنادًا إلى الدليل، حتى إن هذه المقارنة تعدت ألفاظ الآيات، وموضوعاتها إلى المفسرين أنفسهم من حيث قدراتهم وتفاوت مراتبهم في التفسير، قال الإمام ابن عطية [1] مقارنًا بين الصحابة: (فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ويتلوه عبد الله بن العباس -رضي الله عنهما- وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال ابن عباس: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحث على الأخذ عنه، وكان عبدالله بن مسعود يقول: نعم ترجمان القرآن عبدالله بن عباس، وهو الذي يقول فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» وحسبك بهذه الدعوة) .
وقال عنه علي بن أبي طالب:"ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، ويتلوه عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص" [2] .
لقد اتجه بعض العلماء حديثًا إلى الدراسات المقارنة، ودراسة المفسرين القدامى والمحدثين، ليقدموا صورًا توضيحية ونقدية لمفسر بعينه، والمنهج الذي اتبعه في تفسيره، ثم المقارنة بينه وبين غيره من المناهج، أو المقارنة بين تفسيرين أو أكثر في
(1) هو: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبدالرحمن بن عطية المحاربي، من أهل غرناطة، ولد سنة ثمانين وأربعمائة، حدث عن أبيه وكان واسع المعرفة، فقيهًا عارفًا بالأحكام والحديث والتفسير، بارعا في الأدب، وولي قضاء المرية، من تصانيفه: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وخير الدين الزركلي، مرجع سابق، 3/ 282.
(2) أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط 1، (دار الكتب العلمية، لبنان، 1413 هـ - 1993 م،1/ 39، 40) .