والإيجاز؛ لأن افتنان المتكلِّم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في المقام على فنٍّ واحدٍ، يقول القائل منهم: واللهِ لا أفعله، ثم واللهِ لا أفعله، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع مِنْ أنْ يفعله، كما يقول: واللهِ أفعلُه، بإضمار"لا"إذا أراد الاختصار، ويقول القائل المستعجِل: اعْجَل اعْجَل، وللرامي: ارمِ ارمِ، ... .
قال ابن قتيبة: فلمّا عَدَّد اللهُ تعالى في هذه السورة نعماءَه، وأذكَرَ عِبَادَه آلاءَه، ونبَّههم على قُدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نِعمتين، ليُفَهِّمهم النِّعم ويُقَرِّرهم بها، كقولك للرجل: أَلم أُبَوِّئْكَ مَنْزِلًا وكنتَ طريدًا؟ أفتُنْكِرُ هذا؟ ألم أحُجَّ بك وأنت صَرُورَةٌ"هو من لم يحج قط"؟ أفَتُنْكِرُ هذا؟" [1] ."
قال القرطبي - رحمه الله:"وأما وجه التكرار، أي: (قل يا أيها الكافرون) ، فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم، كما تقول: والله لا أفعل كذا، ثم والله لا أفعله .. قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد، قال الله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [2] ، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) [3] ، (كَلَّاسَيَعْلَمُونَ، ثُمَّكَلَّاسَيَعْلَمُونَ) [4] ، و (فَإِنَّمَعَالْعُسْرِيُسْرًا، إِنَّمَعَالْعُسْرِيُسْرًا) [5] : كل هذا على التأكيد" [6] .
(1) أبو الفرج بن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، 5/ 461.
(2) سورة الرحمن، من الآية: 13: 77.
(3) سورة المرسلات، الآية: 19.
(4) سورة النبأ، الآية: 4 - 5.
(5) سورة الشرح، الآية: 5 - 6.
(6) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، 20/ 226.