فهرس الكتاب
أحدهما: صلته بأصل الدين: فصلة الولاء والبراء بأصل الدين صلة وثيقة ومباشرة، فحب الله عز وجل وطاعته هما جماع العبودية، ومحبته تعالى توجب محبة طاعته وأهل طاعته والموالاة على ذلك، وبغض معصيته والمعاداة على ذلك.
فولاية العبد لله عز وجل إنما تكون بمحبته، ونصرة دينه، وتعظيم شعائره، ومحبة أوليائه ونصرتهم، والبراءة من أعدائه ومجاهدتهم. وتحقيق التوحيد يقتضي ألا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله ولا يعادي إلا لله.
الثاني: غياب هذا الأصل العظيم عن واقع المسلمين اليوم:
فقضية الولاء والبراء بمفاهيمها ومقتضياتها قد غابت عن حس الناس اليوم. إلا من رحم الله وأصبحت من القضايا المهملة في حساب كثير ممن ينتمون إلى الإسلام في العصر الحاضر، فأفرز ذلك كله موالاة للكفار في أمور شتى، منها:
• إحلال قوانين الكفار الوضعية محل شريعة رب البرية.
• محبة الكفار وتعظيمهم ونصرتهم على كثير من المؤمنين.
• التشكيك في سُنة النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في تدوينها والحط من قدر رواتها وأعلامها.
• قيام دعوات جاهلية جديدة تعتبر ردة عن دين الإسلام مثل دعوة القومية العربية، والحزبية والتحاكم إلى النظم الغربية والتى تتمثل في تلك المصطلحات"العلمانية [1] ، والليبرالية [2] ، والديمقراطية [3] ".
(1) مفهوم مصطلح العلمانية:"تعبير العلمانية تعبير لم يرد له ذكر في المعاجم العربية القديمة، وقد ورد هذا التعبير لأول مرة في قاموس ثنائي اللغة [فرنسي-عربي] ألفه أحد مترجمي الحملة الفرنسية واسمه لويس بقطر المصري، وقد طبع جزؤه الأول في مارس 1828 م، ثم دخلت الكلمة بعد ذلك إلى اللغة العربية، وأول معجم في اللغة العربية ورد فيه هذا التعبير هو المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة. فقد جاء في طبعته الأولى الصادرة سنة 1960 م: [العلماني] : نسبة إلى العَلْم، بمعنى العالم، وهو خلاف الديني، أو [الكهنوتي] ، وبقي الأمر كذلك في الطبعة الثانية الصادرة سنة 1979 م، أما في الطبعة الثالثة، التي صدرت سنة 1985 م، فقد وردت الكلمة فيه مكسورة العين، بعد أن ظلت مفتوحة في الطبعتين الماضيتين. والعَلْماني (مفتوحة العين) نسبة إلى العَلْم (بفتح العين وسكون اللام) بمعنى العالم، أي: الخلق كله. والعلماني (بكسر العين) نسبة إلى العلم التجريبي، الذي انتصر على الكنيسة بعد صراع مرير، سالت فيه دماء، وأزهقت فيه أرواح، لأن الكنيسة كانت بالمرصاد لكل رأي علمي يعارض التفسير الديني للكتاب المقدس."
-جناية المصطلحات: بيد أن استعمال هذا المصطلح بالكسر استعمال ينطوي على قدر كبير من الخطأ والتلبيس.
-أما انطواؤه على الخطأ فلأن الكلمة في جذورها الأوروبية لا علاقة لها بالعلم فهي في اللغة الإنجليزية (SECULARISM) ، وهذا التعبير لا صلة له بالعلم، فالعلم في كل من الإنجليزية والفرنسية (SCIENCE) ، والمذهب العلمي يطلق عليه (SCIENTISM) ، أما هذه الكلمة (SECULARISM) ، فهي اللادينية أو الدنيوية، فنسبتها إلى العلم خاطئة لانبتات الصلة بين العلم وبين هذا التعبير في جذوره الأوروبية.
-وأما انطواؤه على التلبيس والإيهام فلأن في نسبة هذا التعبير إلى العلم ما يحجب حقيقة المعنى الذي يتضمنه هذا التعبير، ويدخله في دائرة القبول العام خاصة أن مجرد الانحياز إلى العلم لا يعني نبذ الإيمان أو استبعاد الدين بالضرورة، بل لابد لإبراز هذا المعنى من التحليل والتوضيح الأمر الذي تأباه طبيعة المصطلحات. وعلى هذا فإن المعنى الصحيح لهذا التعبير هو الفصل بين الدين والدولة، بل بتعبير أدق الفصل بين الدين والحياة، وعدم المبالاة بالدين أو الاعتبارات الدينية، ونزع القداسة عن المقررات الدينية والتعامل معها كمواريث بشرية بحته، وقصر الدين على جانب الشعائر التعبدية الفردية البحتة باعتباره علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه". د/ سفر الحوالي، العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، (القاهرة، المركز العربي للدراسات الإنسانية) ، 16: 18 بتصرف، د/ صلاح الصاوي، أصول الإيمان، (الجامعة الأمريكية) ، ص 189، 190."
(2) مفهوم مصطلح الليبرالية:"الليبرالية مصطلح أجنبي معرّب مأخوذ من (Liberalism) في الإنجليزية وفي الفرنسية (Liberalisme) ، وهي تعني"التحررية"، ويعود اشتقاقها إلى (Liberty) في الإنجليزية أو في الفرنسية (Liberte) ، ومعناها الحرية. د/ جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ط (بيروت، دار الكتاب اللبناني 1971 م) 1/ 461. ... وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هى حماية حريات المواطنين مثل: حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها. لهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية. ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته، تقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية:"إن النظام الليبرالي الجديد (الذي ارتسم في فكر عصر التنوير) بدأ يضع الإنسان بدلًا من الإله في وسط الأشياء، فالناس بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شئ، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم عبر فعل نظامي وعقلاني"، Academic AmericanEncyclopedia (liberalism) . ويقول جميل صليبا:"ومذهب الحرية (liberalism) أيضًا مذهب سياسي فلسفي يقرر أن وحدة الدين ليست ضرورية للتنظيم الاجتماعي الصالح، وأن القانون يجب أن يكفل حرية الرأي والاعتقاد"، جميل صليبا، مرجع سابق، 1/ 465. د/ عبد الرحيم بن صمايل السلمي، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، ط 1، (مركز التأصيل للدراسات والبحوث 2009 م) ، ص 101. تنبيه: (تبين لي من خلال استقراءات حول هذا الفكر أن"الليبرالية"فكر مفتوح لا يتضمن قضايا معرفية محددة؛ لأنه يدعو إلى حرية الفكر والتسامح، فلا يوجد أفكار معينة صحيحة أو عقائد ثابتة محكمة، فالثقة بالأفكار منافية للحرية، ولهذا لا يوجد لدى الفكر الليبرالي إجابات حول الأسئلة الكبرى في حياة الإنسان؛ لأن من حق كل إنسان أن يجيب بما يشاء، ولا يحق لغيره منعه مهما كان جوابه شاذًا أو منكرًا، ومستند ذلك"الحرية"المفتوحة دون قيد. كما يتبين لنا أن"الليبرالية"دخلت إلى العالم الإسلامي عن طريق الاستعمار وعملائه من الأحزاب والجمعيات السرية التي تكونت على حين غفلة من المسلمين، وقد كان للنصارى العرب دور بارز في ذلك."
(3) مفهوم مصطلح الديمقراطية:"هي كلمة يونانية في أصلها، ومعناها: سلطة الشعب، والمقصود بها -بزعمهم- حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق اختيار الشعب لحكَّامه، وهي الكذبة التي كان يرددها النظام الشيوعي. ويذكر الباحثون أن أول مَن مارس هذه النظريةَ هم الإغريق في مدينتي"أثينا"و"أسبطرة"ولكنها ارتبطت في الغرب بالنظام السياسي والاقتصادي بخلاف نشأتها عند الإغريق. فالديمقراطية مذهبٌ من المذاهب الضالة الخدَّاعة التي أنتجتها العقلية الأوروبية في التفافها على الكنيسة وديانتها الزائفة، والديمقراطية اسم جذاب، إذ يقصدون به العدالة والحرية في الظاهر، مما جعل كثيرًا من المسلمين ومن غيرهم يتأثرون بدعاية المذهب، ظانين أنها تحمل تحت هذا الاسم ما يوحي بظاهره، ولم يعلموا أنها تسمية سراب، وأن المستفدين منها هم الطبقات العليا - طبقة الحكام والأثرياء- الذين هم نسخة عن الإقطاعيين في الزمن القديم، أو مَن لهم غرض في محاربة الأديان، وخصوصًا الإسلام. وأهم مبادئ الديمقراطية وأبرز الخصائص الأساسية وأظهرها (سيادة الشعب أو الأمة) والأساس الذي بُنيت عليه نظرية السيادة التى هي لُبّ وحقيقة وأصل الديمقراطيات الحديثة، بما انتهت إليه من الشرك بالله العظيم، لا يمكن أن تصدر إلا عن أساس إلحادي كفري، لأن السيادة لله وحده لا شريك له. أما عن منزلة الديمقراطية في الإسلام، فقد ظهر أن بعض المنخدعين بها قد تصور أنه لا فرقَ بين الديمقراطية وبين الإسلام، بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام، ولا شك أن من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحًا لا خفاء فيه، والقائل بعدم الفرق إما أن يكون جاهلًا، أو مخادعًا، أو ملحدًا مغالطًا. ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية، أو غير ذلك، هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولابد أن يحصل الاختلاف بكل بساطة ووضوح، حلول الإسلام دائمة وعامة، وحلول الديمقراطية مؤقتة ولمصالح. كما أن تعاليم الإسلام جاءت من رب العالمين عالم الغيب والشهادة، بينما تعاليم الديمقراطية لم تقم إلا بتجارب البشر، وبالاحتياجات ضد طغيان السلطات الرأسمالية، وقبلها الإقطاع وبالمظاهرات الصاخبة والاضرابات المتوالية، إلى أن ترقوا بمفهوم الديمقراطية إلى ما وصلوا إليه في ظاهر الأمر، بينما الأمر في الإسلام يختلف تمامًا. ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى سلوك مثل تلك المهام، ولا يحتاجون إلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية؛ ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة، وفي غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي، وفي أتم ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يُطالب بها غيره. ومَن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية، كما أن تعاليم الإسلام تجعل المرءَ يشعر بمسئوليته أمام الله تعالى، وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى التي لا تصل إليها أي قوة غير قوة مراقبة الله تبارك وتعالى التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه، ومعاملته لإخوانه المسلمين، بل ومع غير المسلمين في تنظيم بديع لن يصل إليه، بل ولن يقاربه أي تنظيم بشري، وهو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى، وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه، وسلوك ينتج عن غيره. فما من شخص يزعم أن الديمقراطية هي التي تحقق السعادة للشعوب، أو أنها أرحم من التعاليم الربانية، ما من شخص يزعم ذلك إلا وتجده إما جاهلًا جهلًا مركبًا، وإما ملحدًا لا يعرف عن حقيقة الإسلام شيئًا، أو مخدوعًا بشعارات الديمقراطية البراقة لم يتعظ بما يشاهده من حال بُلدان دعاة الديمقراطية. جامعة المدينة العالمية، مذاهب فكرية معاصرة، ص 247، ود/ غالب بن علي عواجي - عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة -، المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف الإسلام منها، (الشركة العصرية العربية المحدودة للطباعة والنشر والتوزيع 2010 م) ، 2/ 759، ومحمد أحمد علي مفتي، نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية، ط 1، (كتاب المنتدى - سلسلة تصدر عن المنتدى الإسلامي 2002 م) ، ص 16."