تمهيد: سأتناول خلال هذا البحث الحديث عن بعض الآيات المتعلقة بالنصر، لأن الكلام عن النصر ليس محصورًا في انتصار المعارك؛ فقد يكون النصر نصر العزة والتمكين في الأرض، وقد يكون بإهلاك الكافرين والمكذبين ونجاة رسل الله وعباده المؤمنين، وقد يكون بحماية الله عز وجل لعباده المؤمنين من كيد الكافرين، وقد يكون نصر الحجة والبرهان، وكل هذه الصور وغيرها داخلة في وعد الله سبحانه وتعالى بنصر عباده المؤمنين. ولكون هذه المعاني للنصر متناثرة في القرآن الكريم بمعانيها الواسعة وطرقها المتشعبة فلقد قصرتُ البحث على مفهوم النصر في خمس وستين آية والتي هي محل الدراسة.
وقد تولى الله بيان الأسباب الجالبة للنصر في كتابه ومن أهمها:
1 -الإيمان بالله تعالى:
وهو أهم أسباب النصر؛ فقد تكفل ربنا تعالى بنصر المؤمنين، كما تكفل بنصر المرسلين عليهم السلام: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [1] . بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات [2] ؛ وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم ... وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقرّ أعينهم ممن آذاهم [3] ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ) ) [4] ؛ فالمؤمنون أتباع الرسل، ونصر المؤمنين الصادقين نصر للرسل المكرمين، بل جعل الله نصر المؤمنين حقًا واجبًا عليه تكرمًا منه وفضلًا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
(1) سورة غافر، الآية: 51.
(2) أبو السعود، مرجع سابق، 7/ 280.
(3) ابن كثير، مرجع سابق، 4/ 106.
(4) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب من انتظر حتى تدفن، 8/ 105، رقم الحديث (6502) .