هو حال المؤمنين في المجتمع الراشد المسلم الذين وصفهم الله بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [1] . وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [2] .
فهذا هو المجتمع الصالح، الذي غلب عليه الخير، وتمكن فيه المعروف وقوي أمره، واشتد عوده، وصارت له الغلبة والظهور، ولأهله العزة والتمكين.
ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظان الأمة من الهلاك، فقد سألت السيدة زينب بنت جحش النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؛ قالت: يا رسول الله، أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم، إذا كَثُر الخَبَث ) ) [3] . والقعود عن هذا الواجب يحجب النصر، قال - صلى الله عليه وسلم: (( يا أيها الناس، إن الله عز وجل يقول: مُروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم ) ) [4] .
ومن الأعمال الصالحة الجهادُ في سبيل الله، وهو سبيل العزة والنصر؛ فهو يحفظ كرامة الأمة وعزتها، ويحمي طريق الدعوة لتصل كلمة الحق إلى الآفاق، ولأن عدونا لا يطيب له عيش ولا يهنأ له بال حتى يردّنا إلى الكفر والتخلي عن ديننا الذي ارتضاه ربنا لنا، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [5] . وهذا بيان لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين حتى يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل [6] .فهم لا يتركونكم وإن تركتموهم أنتم، حتى يحققوا رغبتهم فيكم إن استطاعوا وهي اتباع أهوائهم، كما قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
(1) سورة آل عمران، الأية: 110.
(2) سورة التوبة، الأية: 71.
(3) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب من انتظر حتى تدفن، 4/ 138، رقم الحديث (3346) .
(4) أخرجه أحمد في المسند (25294) 6/ 159. وهو حسن لغيره: (إسناده ضعيف) .
(5) سورة البقرة، الآية: 217.
(6) أبو السعود، مرجع سابق، 1/ 217.