وعليه فمن يريد استنباط الأحكام وفهم القرآن، أن يكون عارفًا بالنحو، بصيرًا بأساليب اللُّغة. ويذهب ابن حزم إلى أنَّه لا يحل لمن لا يعرف العربية أنْ يفتي في مسائل الدين، يقول:"لا بُدَّ للفقيه أنْ يكون نحويًا لغويًّا، وإلاَّ فهو ناقص لا يحل له أنْ يفتي بجهله بمعاني الأسماء، وبعده عن الأخبار" [1] . ويقول:"لزم لمن طلب الفقه أن يتعلم النحو واللغة وإلا فهو ناقص منحط لا تجوز له الفتية في دين الله - عز وجل -" [2] .
ويؤكِّد على ذلك ابن خلدون (ت 808 هـ) فيقول في مقدمته:"لا بُدَّ مِنْ معرفةِ العُلومِ اَلْمُتعلِّقةِ باللِّسانِ لِمَنْ أرادَ عِلْمَ الشَّريعةِ، وتتفاوتُ في التَّأكيدِ بتفاوُتِ مَرَاتبها في التَّوفية بِمقصودِ الكَلامِ حسبما يتبيَّن في الكلام عليها فنًا فنًا، والذي يتحصَّلُ أنَّ الأهمَّ اَلْمُقدَّمَ منها: النحو، إِذْ به تتبيَّن أصولُ الَمقاصد بالدلالة فيعُرفُ الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر، ولولاه لَجُهِلَ أصلُ الإفادَةِ" [3] . ونقل الشَّاطبي عن الغزالي أنَّ المطلوب من الفقيه"القدر الذي يفهم منه خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال، حتى يُميِّزَ بين صريح الكلام، وظاهره ومُجمله، وحقيقته ومَجازه، وعامِّه وخاصِّه، وفحواه ولحنه ومضمونه" [4] .
فمن هذه النصوص السابقة وغيرها يتَّضحُ لنا أهمية النحو ووجوبه لِمَنْ يتصدَّى للإفتاء واستنباط الأحكام الشرعية، كما حدث في قصة الكسائي وأبي يوسف المشهورة [5] . ورأينا أنَّه لم يقفْ أثرُ النحو والنُّحاةِ على الفقه على مُجرَّدِ الجوانب النظرية والقواعد العامة؛ وإِنَّما استخدم الفقهاء النحو استخدامًا عمليًا، فطبَّقوه على بعض المسائل التي لا تتضح دلالتها إلاَّ عن طريق التحليل النحوي. (سنطبق ذلك على نماذج لسيبويه فيما بعد) .
(1) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الأندلسي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، 1404 هـ (1/ 51) .
(2) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (2/ 216) .
(3) مقدمة ابن خلدون، دار القلم، بيروت، (ص 453) .
(4) ينظر: المستصفى، للغزالي (2/ 352) ، والموافقات في أصول الشريعة، للشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن، دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1417 هـ/ 1997 م، (4/ 115) .
(5) طبقات النحويين واللُّغويين، للزبيدي (ص 127) .