ولعل ابن عبدالبر قد تأثر بسلوك جده، فزهد في الدنيا واتجه إلى العلم والعبادة، وليس ذلك ببعيد؛ لأن الإنسان ابن بيئته.
وقد شَبَّ ابن عبدالبر يتيمًا بعد وفاة والده، فتحملت والدته العبء الأكبر في تربيته ورعايته.
وبعد هذا العرض الموجز عن أسرة ابن عبدالبر يتضح لنا أن المكانة العلمية والاجتماعية التي تمتعت بها هذه الأسرة كان لها أثر كبير في بناء شخصيته، وتحديد وجهته وهو يشق طريقه في البيئة التي عاش فيها، فزهدُ جده محمد، وعلم والده عبدالله، وتضحية والدته ومكابدتها في تربيته بعد وفاة أبيه مؤثرات ساهمت في بنائه الأخلاقي والعلمي، وساعدت على شحذ ذهنه وتفتح مداركه [1] .
وأمَّا المدينة التي نشأ ابن عبدالبر فيها فهي مدينة قرطبة، التي كانت يومئذٍ عاصمة الخلافة بالأندلس، ومدينة العلم والحضارة، ومستقر أهل السنة والجماعة، نزلها جملة من التابعين وتابعيهم، وسطعت في أفقها نجوم المعرفة في كل فن، فازدهرت فنون الآداب والعلوم، وأصبحت مركز الحضارة الإسلاميَّة في المغرب، وقبلة الأنام فيه.
ولكثرة علمائها، واشتهار أهلها بالتمسك بالسنة صار عملها حجة في بلاد المغرب، فكانوا يحتجون بما جرى عليه العمل في قرطبة [2] .
وكان الناس يشدون الرحال إليها لرواية الحديث، ودراسة الأدب والفقه والفلسفة ومختلف العلوم كالطب والهندسة والفلك وغيرها.
وقد امتاز الأندلسيون جميعًا - وخاصة أهل قرطبة - بالحرص على طلب العلم والتفاني في اقتناء الكتب، ومن ثَمَّ انتشرت المكتبات في أكثر الأنحاء وسائر الأوساط، وكثر الوراقون والنساخ، وتنافس الناس في اقتناء نوادر المخطوطات.
(1) انظر: كتاب ابن عبدالبر الأندلسي وجهوده في التاريخ للبث سعود جاسم ص 113.
(2) انظر: نفح الطيب للمقري 2/ 93، فقد ذكر أنه لعظم أمر قرطبة كان عملها حجة بالمغرب حتى أنهم يقولون في الأحكام: هذا ما جرى عليه عمل قرطبة.