المبحث السادس
طلبه للعلم رحمه الله
أولًا: نشأته العلمية:
اتضح لنا من خلال ما سبق أن ابن عبدالبر نشأ في أسرة علمية، حيث كان جده وأبوه من العلماء، وكذلك كانت نشأته في مدينة قرطبة التي كانت عاصمة الخلافة في بلاد الأندلس، ومدينة العلم والحضارة.
ففي هذا الجو العلمي أقبل الحافظ ابن عبدالبر يرشف العلم، ويعب من معارفه، ويكرع من فنونه على كبار علماء قرطبة وجهابذتها من القاطنين فيها والوافدين عليها، يأخذ عنهم كل ما تصل إليه يده، وكل ما يلائم اتجاهه وميوله من العلوم والفنون، وخاصة القراءات والحديث والفقه والأخبار والأنساب، حتى نبغ فيها، وأصبح من شيوخها البارزين، الأمر الذي هيأه لاحتلال مكانة علمية عالية بالأندلس [1] .
وقد سمع ابن عبدالبر من كثير من علماء الأندلس، وأخذ عنهم، ودرس عليهم الفقه والنحو والحديث واللغة والتاريخ والأدب، وقرأ عليهم الكثير من الكتب والمصنفات في شتى العلوم والفنون.
ولقد صبر ابن عبدالبر على طلب العلم، ودأب في تحصيله، ولم يكتف بالأخذ عن علماء الأندلس بل أخذ عن العلماء الوافدين إليها، وكتب إليه من أهل المشرق جماعة من العلماء كما ذكر صاحب الصلة [2] .
واستمر - رحمه الله - في طلب العلم وجمعه بشتى الوسائل حتى بلغ فيه درجة عالية ومكانة رفيعة.
(1) انظر: كتاب مدرسة الإمام الحافظ أبي عمر ابن عبدالبر في الحديث والفقه 1/ 151.
(2) انظر: الصلة لابن بشكوال 2/ 640 - 641، وللتوسع في معرفة أسماء شيوخه والكتب التي سمعها منهم يُنظر كتاب سير أعلام النبلاء 18/ 154، 155، وكذلك كتاب مدرسة الإمام الحافظ أبي عمر ابن عبدالبر في الحديث والفقه 1/ 152 - 157، وسيأتي - إن شاء الله - بيان أسماء شيوخه في مبحث مستقل.