(والذي نقطع به - والله أعلم - أن القرآن الكريم كله نزل في الحالة الأولى، وهي الحالة التي يكون فيها جبريل على ملكيته، وتحول النبي - صلى الله عليه وسلم - من البشرية إلى الملائكية، وهذا هو الذي يليق بالقرآن الكريم، ونفى أي احتمال أو تلبيس في تلقيه.
ولم أقف على رواية تفيد نزول شيء من القرآن عن طريق جبريل وهو في صورة رجل، وكل ما جاء من ذلك في الأحاديث الصحاح كحديث جبريل المشهور وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها، فإنَّما هو في وحي السنة لا في وحي القرآن ... .
وأيضًا فلو أنزل شيء من القرآن في الحالة الثانية وهي مجيء جبريل في صورة رجل لكان هذا مثارًا للشك والتلبيس على ضعفاء الإيمان، ولكان فيه مستند للمشركين في قولهم:? إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ? [النحل: 103] ) [1] .
المطلب الثاني
آثار الوحي ومظاهره على النبي صلى الله عليه وسلم
الوحي في أي مرتبة من مراتبه أمر عظيم، يقتضي من الإنسان أن يتجاوز حدود المادة وعالم الشهادة ليتصل بالملائكة وعالم الغيب، ولاشكّ أن هذا التجاوز شاق على النفس البشرية، لايستطيعه كل أحد إلاَّ من هيأه الله لتحمل تلك المشقة من أولئك الأخيار الذين اصطفاهم الله عزوجل، وهيأهم لتلك المنزلة - منزلة النبوة والرسالة -.
وكثيرًا ما كان يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة في التلقي من الملك، روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ÷ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ÷% = 16 ... ? [القيامة: 16] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعالج من التنزيل شدة ... ? الحديث [2] .
وقد ذكر ابن عبدالبر بعض الآثار والمظاهر التي تحدث للنبي صلى الله عليه
(1) المدخل لدراسة القرآن الكريم لمحمد أبي شهبة ص 60 - 61 باختصار.
(2) أخرجه البخاري في بدء الوحي رقم [5] وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: الاستماع للقراءة رقم [448] .