المبحث الرابع
حكم القراءة بالشواذ
قال ابن عبدالبر - رحمه الله: (الذي عليه جماعة الأمصار من أهل الأثر والرأي أنه لايجوز لأحد أن يقرأ في صلاته - نافلة كانت أو مكتوبة - بغير ما في المصحف المجتمع عليه، سواء كانت القراءة المخالفة له منسوبة لابن مسعود، أو إلى أبيّ، أو إلى ابن عباس، أو إلى أبي بكر، أو عمر، أو مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم) [1] .
وقال - رحمه الله تعالى: (وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان - وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا - هو القرآن المحفوظ الذي لايجوز لأحد أن يتجاوزه، ولاتحل الصلاة لمسلم إلاَّ بما فيه، وأن كل ما روي من القراءات في الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أبيّ أو عمر ابن الخطاب أو عائشة أو ابن مسعود أو ابن عباس أو غيرهم من الصحابة مِمَّا يخالف مصحف عثمان المذكور لايقطع بشيء من ذلك على الله عزوجل، ولكن ذلك في الأحكام يجري في العمل مجرى خبر الواحد.
وإنَّما حل مصحف عثمان - رضي الله عنه - هذا المحل لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، وبالله التوفيق.
ويبين لك هذا أن من دفع شيئًا مِمَّا في مصحف عثمان كفر، ومن دفع ماجاء في هذه الآثار وشبهها من القراءات لم يكفر.
ومثل ذلك من أنكر صلاة من الصلوات الخمس، واعتقد أنها ليست واجبة عليه كفر، ومن أنكر أن يكون التسليمُ من الصلاة، أو قراءةُ أم القرآن، أو تكبيرةُ الإحرام فرضًا لم يكفر ونوظر، فإن بان له فيه الحجة، وإلاَّ عذر إذا قام له دليله، وإن لم يقمْ له على ما ادعاه دليل محتمل، هجر وبدع؛ فكذلك ماجاء من الآيات المضافات إلى
(1) الاستذكار 8/ 47، 48.