المبحث الثاني
طريقة السلف في التعامل مع المحكم والمتشابه
(الواجب على كل أحد أن يعمل بما استبان له، وأن يؤمن بما اشتبه عليه، وأن يرد المتشابه إلى المحكم، ويأخذ من المحكم ما يفسّر له المتشابه ويبينه، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنَّما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره ? أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ا؟ لْقُرْءَانَ"وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ا؟ للَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ا؟ خْتِلَـ! ـــفًا كَثِيرًا = 82 ? [النساء: 82] ."
هذه طريقة الصحابة والتابعين في التعامل مع المحكم والمتشابه) [1] .
ولابد هنا من التنبيه على أمرين مهمين يتعلقان بهذا المبحث وهما:
الأمر الأول: أن المتشابه له معنى يفهم منه، ولكنه غير واضح؛ ولذلك اختلف العلماء في بيان معناه وتحديد المراد منه؛ فمن ردّ ما اشتبه ولم يتضح إلى الواضح المحكم فقد اهتدى ورسخ في العلم، ومن عكس فقد انعكس [2] .
وعلى هذا فلايجوز أن يُقال: إن الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولايجوز أن يُقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة لايعلمون بعض الآيات كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، فهذا القول يجب القطع بأنه خطأ [3] .
قال ابن قتيبة [4] في كتابه ? تأويل مشكل القرآن ?: (ولسنا ممن يزعم أن
(1) من كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة لمحمد بن حسين الجيزاني ص 110، بتصرف يسير جدًا، وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 17/ 386.
(2) انظر: تفسير ابن كثير 1/ 326.
(3) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 17/ 390 ومابعدها، فقد أسهب - رحمه الله - في بيان هذه المسألة وتقريرها.
(4) هو: عبدالله بن مسلم بن قُتيبة الدينوري، النحوي اللغوي الكاتب، نزيل بغداد، قال الخطيب: كان رأسًا في العربيَّة واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة دينًا فاضلًا، له مصنفات كثيرة رائعة، منها: = =
= = (تأويل مشكل القرآن) و (تأويل مختلف الحديث) و (غريب الحديث) وغيرها كثير، مات سنة 276 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 13/ 296 - 302، وطبقات المفسرين للداودي 1/ 251.