المطلب الثالث
أقسام الوحي
الوحي - بمعنى اسم المفعول - وهو ما أنزله الله على أنبيائه وعرّفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم - ينقسم إلى قسمين كما يفهم ذلك من كلام ابن عبدالبر:
أحدهما: ما يُتلى، وهو القرآن.
والثاني: ما لايُتلى، وهو السنة.
قال - رحمه الله: (وفي قوله - عليه السلام: ? كذلك قال لي جبريل ? دليلٌ على أن من الوحي ما يُتلى وما لايُتلى، وما هو قرآن، وما ليس بقرآن) .
ومن هنا نعلم أن الذين عرّفوا الوحي - عندما يطلق ويراد به الموحَى - بأنه كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه [1] ، قد قصروا الوحي على أحد القسمين، وهو كلام الله الذي يُتلى، وهذا نقص في التعريف؛ ولذلك فإن التعريف المختار للوحي في الشرع - عندما يطلق ويراد به اسم المفعول (الموحى) - هو أنه ما أنزله على أنبيائه وعرّفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم [2] .
وهذا التعريف بلا شك يشمل القسمين ما يُتلى، وما لايتلى.
وأوضح دليل على أن ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم مِمَّا ليس بقرآن يعتبر وحيًا قوله تعالى: ? وَمَا يَنطِقُ عَنِ ا؟ لْهَوَى% = 3 ... إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى = 4 ... ? [النجم: 3، 4] .
قال القرطبي [3] : (وفيها أيضًا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل
(1) انظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 33.
(2) المدخل لدراسة القرآن الكريم للشيخ محمد أبو شهبة ص 79.
(3) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري المالكي، أبو عبدالله القرطبي، صاحب تفسير القرطبي المشهور ? الجامع لأحكام القرآن ? الذي سارت به الركبان، وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعًا، وله مؤلفات أخرى كثيرة، وكان من عباد الله الصالحين، والعلماء الورعين الزاهدين، توفي بمصر سنة 671 هـ. انظر: طبقات المفسر للداوودي 2/ 69، 70.