المطلب الثاني
ماجاء في فضل ? إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا = 1 ... ?
روى الإمام مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثُمَّ سأله، فلم يجبه، ثُمَّ سأله، فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك عمر، نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لايجيبك. قال عمر: فحركت بعيري، حتى إذا كنت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن. فما نشبت أن سمعتُ صارخًا يصرخ بي. قال: فقلتُ: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فقال: ? لقد أنزلت عليّ هذه الليلة سورة لهي أحب إليّ مِمَّا طلعت عليه الشمس ? ثُمَّ قرأ ? إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا = 1 ? [1] .
قال ابن عبدالبر في أثناء كلام له في شرح هذا الحديث:(وفيه أن غفران الذنوب خيرٌ للإنسان مِمَّا طلعت عليه الشمس لو أعطي ذلك، وذلك تحقير منه صلى الله عليه وسلم للدنيا وتعظيم للآخرة، وهكذا ينبغي للعالم أن يحقر ما حقر الله من الدنيا، ويزهد فيها، ويعظم ما عظمه الله من الآخرة، ويرغب فيها.
وإذا كان غفران الذنوب للإنسان خيرًا مِمَّا طلعت عليه الشمس، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفر عنه إلاَّ الصغائر من الذنوب، لأنه لم يأت قط كبيرة، لا هو ولا أحد من أنبياء الله لأنهم معصومون من الكبائر صلوات الله عليهم، فعلى هذا: الصلوات الخمس خير للإنسان من الدنيا وما فيها؛ لأنها تكفر الصغائر، وبالله التوفيق) [2] ا هـ.
ويفهم من كلامه هذا أن السبب في كون هذه السورة أحبّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم مِمَّا طلعت عليه الشمس هو ما جاء فيها من البشارة بمغفرة ما تقدم من ذنب
(1) الموطأ كتاب القرآن، باب: ماجاء في القرآن رقم [9] 1/ 180، وأخرجه البخاري في التفسير، باب: ? إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا = 1 ... ? رقم [4833] ، وفي فضائل القرآن، باب: فضل سورة الفتح رقم [5012] .
(2) التمهيد 3/ 266، وانظر: الاستذكار 8/ 76.