ثانيًا: رحلاته:
الرحلة في طلب العلم - ولاسيما الحديث - عادة متبعة عند العلماء منذ عصر الصحابة والتابعين، لما لها من فوائد عظيمة، كارتياد مراكز العلم، واللقاء بكبار الشيوخ والحفاظ والأخذ عنهم، واستجازتهم والرواية عنهم، والتثبت من الحديث، وطلب السند العالي، وغيرها من الفوائد التي قد لايتمكن المحدث من الحصول عليها في حالة عدم خروجه من بلده.
وقد اقتصرت رحلات ابن عبدالبر على شبه الجزيرة الأندلسية، إذ أجمعت المصادر التي ترجمت له أنه لم يخرج من بلاد الأندلس، ولكنه تنقل في أرجائها شرقًا وغربًا.
وكانت أغلب رحلاته التي قام بها بين مدن الأندلس اضطرارية، وكان العامل السياسي هو السبب - غالبًا - في عدم استقرار ابن عبدالبر في مكان واحد [1] .
وأمَّا تفصيل رحلاته في بلاد الأندلس فهو كالتالي [2] :
لما حدثت الفتنة الكبرى في قرطبة، واختل النظام والأمن، رحل عنها فارًا بنفسه كما فرّ كثير من العلماء، واتجه نحو غرب الأندلس فأقام بإشبيلية مدة، ولكنه لم يجد فيها ما كان يؤمله حيث جفاه من كان يظن فيه الخير، فرحل عنها، وأنشد حين الرحيل:
وقائلة مالي أراك مرحلًا ... فقلت لها: صه واسمعي القول مجملا
تنكر من كنا نسر بقربه ... وعاد زعافًا بعدما كان سلسلا
(1) انظر: كتاب ابن عبدالبر الأندلسي وجهوده في التاريخ لليث سعود جاسم ص 168.
(2) انظر: كتاب مدرسة الحافظ أبي عمر ابن عبدالبر في الحديث والفقه لمحمد بن يعيش 1/ 158 - 160 ولمعرفة تفاصيل رحلاته ينظر إلى ما كتبه ليث سعود جاسم في كتابه السابق من ص 168 إلى ص 177.