من استحباب زيارته والدعاء وما يتعلق بذلك، وذكر لفظًا عامًّا فيمن سافر لمجرد قبور الأنبياء والصالحين، وحكى قولين معروفين عند أهل العلم وهما قولان معروفان عند أصحاب الشافعي وأحمد، ومالك وأصحابه أظهر قولًا بتحريم السفر إلى زيارة القبور، وقد صرح مالك بأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم هو مما نهي عن شد الرحال إليه، وأنه من نذر ذلك لا يجوز أن يوفي بنذره (فهذا تصريح بالتحريم) [1] ، بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه أولهم وآخرهم، في الكتب الصغار والكبار، أن السفر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهي عنه، وإن نذره ناذر لم يكن له أن يفعله لأنه منهي عنه، فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين إلا لأجل الصلاة في المسجدين، لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر ولا أثر من الآثار ولا غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين.
وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ذلك فليس هذا من هذا الباب فإن هذا ليس قصده متعلقًا بعين المكان.
وأما السفر إلى سائر الأمصار لأجل مساجدها أو قبر فيها فلا يجوز عنده بحال، ثم إن مذهبه أن السفر المحرم لا تقصر فيه الصلاة، وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا تقصر فيه كما ذكره هذا (المعترض) [2] المفتري، بل ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء، ولم يرجح قول من منع القصر، ولكن ذكر حجة من نهى عن السفر إلى غير الثلاثة، فلما ذكرها تبين أنها الراجحة فإنه ليس مع أولئك ما يعارضها.
(1) زيادة من (هـ) .
(2) زيادة من (ز) .