أحدهما: أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات، فإذًا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك، وأما إذا قدّر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من ذاك.
الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم، فهذا الإجماع المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة، وسافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، فإن الذين قالوا بالجواز قالوا إن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال» . يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب وليس هو واجبًا بالاتفاق فلا يكون قربة ولا طاعة، فإن القربة والطاعة إما واجب وإما مستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب ليس قربة ولا طاعة بالإجماع.
فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة أو قال إنه قربة وطاعة أو فعله لأنه قربة وطاعة، فقد خالف هذا الإجماع، ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين، وامتنع منه أن يفعله لذلك. وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة ويكون مخطئًا في هذا الاعتقاد، وإن كان خطؤه مغفورًا له؛ وهذا لا يعاقب على هذا الفعل لأنه لم يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما نهى عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلى في أوقات النهي ولم يعلم بالنهي، فإن الله تعالى يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15] ، لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها، فهؤلاء لا يثابون ولا يعاقبون.