ولو أريد إثبات سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفًا فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه. ومسلم [1] روى بهذا الإسناد قوله صلى الله عليه وسلم: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد» . وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم [2] وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة من غير هذا الطريق، ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف (منه في عدة رجال يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف) [3] من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط البخاري أو مسلم كما بسط هذا في موضعه.
الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروفًا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة -مالك وغيره- أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلما كرهوا هذا القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.
الوجه التاسع: أن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم.
(1) رقم (945) كتاب الجنائز من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث الآخر في الاضحية (1967)
(2) كتاب الجنائز رقم (1323) ومسلم كتاب الجنائز (945) .
(3) زيادة من (س) والصارم (126/ أ) .