وأما قوله:
إنه خالف في ذلك السادة العلماء وأئمة العصر.
فيقال: هذا باطل، فإنه لم يخالف في ذلك أحدًا من علماء المسلمين وأئمة الدين المعروفين عند المسلمين بأنهم أئمة الدين، وأما من تكلم بلا علم أو تكلم بالهوى والجهل فهذا ليس من أئمة الدين، ولا يذكر المسلمون قول مثل هذا في كتبهم على أن يتبع ويقتدى به، بل قال تعالى للخليل لما قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة: 124] ، فبين أن عهده بالإمامة لا ينال ظالمًا، فلا يكون الظالم إمامًا للمتقين، بل قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [سورة السجدة: 24] ، فالأئمة الذين يهدون بأمر الله هم أهل الصبر واليقين، والله تعالى أخبر أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يهدون بأمره، وإبراهيم إمام الحنفاء والداعي إلى توحيد الله وعبادته وحده، والتبرؤ من عبادة ما سوى الله، ومن العابدين لغيره.
وقد أخبر الله أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان سفيهًا جاهلًا، وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة النحل: 120] والأمة هو القدوة الذي يؤتم به، وكان ابن مسعود يقول: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا (ولم يكن من المشركين) [1] . فيقولون: إن إبراهيم. فيقول: إن معاذًا [2] . فيعلمون أنه لم يرد التلاوة، وإنما أراد أن يعرفهم أن معاذًا كان إمامًا، وكل من جعله الله إمامًا فإنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له والنهي
(1) زيادة من (ز) .
(2) رواه الطبراني في المعجم الكبير (10/ 59) والحاكم في المستدرك و صححه (2/ 390) وصححه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (4/ 238) .