وكذلك قلت بعد هذا:
لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ونقل عدم الجواز إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه.
فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء وهو جواز السفر للزيارة فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ هذا هو التناقض. ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض فقلت:
ثم قال في آخر كلامه:
إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام.
فهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام. فليت شعري حين قال هذا (الكلام) [1] أكان به جنة، أم أدركته من الله محنة؟
فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن سواء المنهج، وتناقض فيما يقول وجعل غيره هو المتناقض، كما قيل في المثل السائر: رمتني بدائها وانسلت [2] .
ولكن أهل البدع المخالفون لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [سورة الذاريات: 52] ، وقال تعالى عن قوم نوح: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [سورة القمر: 9] .
(1) زيادة من (هـ)
(2) انظر الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص 73) .