فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 414

وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم على الوجه المشروع، فإن هذا السفر مستحب بإجماع المسلمين، فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مسجده ولا قبره فقد غلط، فإن هذا لم يقله أحد، والقولان حُكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة -قبور الأنبياء وغيرها- محرم حتى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم كما صرح بذلك مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزًا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، واستدلوا بإتيان مسجد قباء، وكذلك طائفة من أصحاب أحمد كأبي محمد المقدسي، وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة، وكذلك أبو حامد الإسفرائيني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما.

قال أبو المعالي: كان شيخي -يعني والده أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة [1] . وربما كان يقول: يحرم. قال: والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي [2] .

(1) في كتاب الجمع والفرق لأبي محمد الجويني (1/ 652) مسألة رقم (213) قال: الصلاة على القبر مشروعة، بخلاف قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا تجوز الصلاة عليه. الفرق بينهما: أن الصلاة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبه التقرب إليه وقصد تعظيمه بالصلاة فلو فعل السلف ذلك لتبعهم الخلف وقد قال صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. وما شاع في الناس عبادة الأصنام إلا عن مثل هذا الأصل. كان السلف [أي سلف الأمم الماضين] فيما تقدم يصورون صورًا على صور الصالحين الذين ماتوا فيهم وعلى صور الأنبياء من الحجارة وغيرها يتذكرون بالنظر إلى صورهم ويترحمون عليهم، وكانوا يجتمعون لتلك الصور، وكانوا يؤمون لها مثل السجود، والأولاد ينظرون إلى الآباء فلما تطاولت عليهم الدهور ظن خلفهم أن سلفهم كانوا يعبدون تلك الصور فاتخذوها معبودة، وهذا المعنى مأمون في الصلاة على قبور سائر المسلمين.

(2) انظر نهاية المطلب في دراية المذهب (18/ 430) والمجموع شرح المهذب (8/ 475) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت