فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 414

إلى قول من حمل الحديث على نفي الاستحباب، لظهور فساد هذا القول وتناقضه. وأيضًا فهذا الذي ذكره إنما يتصور في زيارة غير قبر النبي صلى الله عليه وسلم كأهل البقيع وشهداء أُحد وسائر المؤمنين المدفونين في بلادهم. ومع هذا ما علمنا أحدًا قال أنه يستحب السفر لمجرد هذه الزيارة، بل إما أن يكون محرمًا وإما أن يكون مباحًا، وإن كانت الزيارة من البلد مستحبة.

وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فله شأن آخر، فضّله الله به على غيره، فإن الله أمرنا بالصلاة والسلام عليه مطلقًا وأن نطلب له الوسيلة. ومحبته وتعظيمه فرض على كل أحد، بل فرض على كل أحد أن يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده، وهو أولى (بالمؤمنين من أنفسهم) [1] ، فحقوقه الشرعية إيجابًا واستحبابًا (لا يختص) [2] ببقعة، بل هي مشروعة في جميع البقاع لا فرق في ذلك بين أهل المدينة وغيرهم، وقد نهى أن يتخذ قبره عيدًا وقال: «صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» . وقال في السلام مثل ذلك وأخبر: «أن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» .

وهو قد حيل بين قبره وبين الناس ومنعوا من الوصول إليه إذ لم يكن داخل الحجرة عبادة مستحبة هناك دون المسجد، بل كل ما يفعل هناك ففعله في المسجد أفضل من صلاة وتسليم عليه وغير ذلك، ولهذا لم يكن الصحابة والتابعون بالمدينة إذا دخلوا المسجد وخرجوا يقفون عند قبره لا لصلاة ولا دعاء ولا سلام ولا غير ذلك.

وقد ذكر أهل العلم -مالك وغيره- أن هذا يكره. ولم يكن السلف يفعلونه، وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أنه لو كان الإتيان

(1) المثبت من (ز) وفي (س) : بكل مؤمن من نفسه.

(2) المثبت من (س) وفي (ز) : بلا تخصيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت