والمجيب لم يتعرض لذلك، ولو قدر أن المنازع واحد فالاعتبار في موارد النزاع بالحجة كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [سورة النساء: 59] .
وقول هذا المعترض:
إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى المشتهرين بالزهادة والتقوى الذين لا يعتد بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم.
كلام باطل، صدر عن متكلم بلا علم توغل في الجهل، فليس في الأمة من هو بهذه الصفة، بل هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي لا يعتد بخلاف من سواه، وكل من سوى الرسول يؤخذ من قوله ويترك، كما نقل ذلك عن (غير واحد من السلف منهم مجاهد ومنهم مالك فقال) [1] مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا (كلام) [2] صاحب هذا القبر.
ولو قيل مثل هذا في الأئمة المجتهدين كالأربعة كان منكرًا من القول وزورًا. فلو قال قائل: الأئمة الأربعة لا يعتد بخلاف من سواهم، فإذا خالفهم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ونحوهم، أو خالفهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، أو خالفهم ابن عمر و ابن عباس و أبو هريرة وعائشة ونحوهم لم يعتد بخلافهم، لكان هذا منكرًا من القول وزورًا. فكيف يقال في (مثل أبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وابن عبدوس الحراني) [3] إن هؤلاء لا يعتد بخلاف من سواهم؛ ولا يرجع في ذلك لمن عداهم؟!
(1) زيادة من (هـ) (ز)
(2) زيادة من (هـ) (س)
(3) المثبت من (هـ) (ز) وفي (س) : بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد وهم قد خالفوا شيوخهم.