لا يمكن أحد أن يصل إليه حتى يتخذه وثنًا، وإنما يصل إلى مسجده، لكن قد يقصد المسافر إليه أن يتخذه وثنًا كقبر غيره أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك بخلاف قبر غيره فإن فيها ما اتخذ أوثانًا.
وقد ثبت بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ونهى أمته عن ذلك، فإذا كان من اتخذها مسجدًا يصلى فيه لله تعالى ويدعو الله عز وجل ملعونًا فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ويتضرع فيها لغير الله ويخضع ويخشع فيها لغير الله أحق باللعنة، وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح، ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون لذلك، فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرًا بالشرك بالله واتخاذ أندادًا من دونه، آمرًا بما حرم الله ورسوله ولعن فاعله.
والشرك أعظم الذنوب كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» . قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك (مخافة) [1] أن يطعم معك» . قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني بحليلة جارك» [2] . وأنزل الله تصديق ذلك {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} الآية [سورة الفرقان: 68] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء: 48] .
ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد الله عز وجل، ولأنهم أمروا (بتوحيده وعبادته) [3] ، وبلغوا أمره
(1) المثبت من (هـ) والصحيحين، وفي (ز) (س) : خشية. وهي البخاري (4716) .
(2) البخاري (7532) ومسلم (86)
(3) المثبت من (هـ) (س) وفي (ز) : بعبادة الله وتوحيده.