فظن من ظن أن السفر المشروع هو لمجرد القبر لا لأجل المسجد، وأن المسجد يدخل ضمنًا وتبعًا في السفر، وأن (قبور) [1] سائر الأنبياء كذلك، أو أن المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر إلى المساجد الثلاثة، ومن الناس من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد الثلاثة حتى صرحوا بأنه أفضل من الحج، وأن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر الله ورسوله بالعبادة فيها والدعاء والذكر فيها، وظن من ظن أن هذا مجمع عليه وأن من قال: السفر لغير المساجد الثلاثة -سواء كان لقبر نبي أو غير نبي- منهي عنه، أو أنه مباح ليس بمستحب، فقد خالف الإجماع. وليس معهم بما ظنوه نقل عن أحد من أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة المشهورون وغيرهم على خلاف ما ظنوه، فإجماع أهل العلم الذين تحكى أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع هو على خلاف ما ظنه الغالطون إجماعًا، وجرت في ذلك فصول.
لكن المقصود هنا أنه أرسل إلي ما كتبه هذا القاضي وأقسم بالله علي أن أكتب عليه شيئًا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم، وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والضلال ما لا يظن أن يقع فيه آحاد (الطلبة) [2] الذين يعرفون ما يقولون، فكيف بمن (يسمي) [3] قاضي القضاة! ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعًا من الدين كما عند كثير من الناس نوع من الدين، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم (حتى بمذهبه الذي انتسب
(1) زيادة من (س) .
(2) المثبت من (ل) وفي (س) : العلماء.
(3) المثبت من (ل) وفي (س) : سمي.