فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 414

مستحبة بالإجماع، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعًا وهو نزاع مرجوح، والصحيح أنها مستحبة، وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول إنه معصية، وقول من يقول إنه ليس بمحرم بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بالإجماع.

فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» [1] . هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته؟ على قولين.

وعامة المتقدمين [2] على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى القبور. فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سماه الوادي المقدس وسماه البقعة المباركة ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبي صلى

(1) أخرجه البخاري (1189) كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومسلم (1397) كتاب الحج من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) روي ذلك عن: عمر بن الخطاب رضي الله عنه رواه ابن سعد في الطبقات (8/ 235) والفاكهي في أخبار مكة (1217) . وروى عبد الرزاق (9165) والفاكهي (1210) واللفظ له عن سعيد بن المسيب قال: بينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسم نعما من نعم الصدقة إذ مر به رجلان، فقال: من أين أقبلتما؟ فقالا: من بيت المقدس، فعلاهما بالدرة ضربا، وقال: أحجا كحج البيت؟ فقالا: إنا كنا مجتازين.

فأنكر عمر رضي الله عنه على الرجلين أن يسافرا إلى بيت المقدس - مع مشروعيته - بصفة تشبه صفة الحج، فكيف بمن سافر إلى قبور الأنبياء والصالحين - مع عدم مشروعيته - كهيئة الحج والعمرة؟.

وروي كذلك عن ابن عمر رضي الله عنه، رواه عبد الرزاق (5/ 135) والبخاري في التاريخ الكبير

(7/ 203) ، وعن بصرة بن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه، رواه أحمد في مسنده (39/ 267) ، وعن عطاء بن أبي رباح، رواه الفاكهي في أخبار مكة (1220) ، وعن إبراهيم النخعي رواه ابن أبي شيبة

(2/ 375) وذكر النهي ابن بطة في كتابه الإبانة في اعتقاد السلف (ص 323) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت