الشرح
والمؤلف رحمه الله يريد بهذا أن إجماع كل ذي فن بفنه، فمثلًا في علم الحديث نرجع إلى إجماع أهل الحديث, فإذا أجمع أهل الحديث على أن خبر الواحد إذا تلقي بالقبول واحتفت به القرائن أفاد العلم فلا يهمنا من خالفهم من الفقهاء، كذلك أيضًا الاعتبار للإجماع في الأحكام الشرعية-كالواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح- المعتبر في ذلك علماء الأحكام الفقهاء. كذلك الإجماع في مسألة نحوية, الاعتبار بإجماع أهل النحو، وعلى هذا فقس، لأن صاحب كل علم أدري بما يحصل فيه، فالإنسان الفقيه لا يعرف إجماع أهل النحو، ولا يعرف إجماع أهل الحديث، ولا الأصوليين مثلًا، فالمهم أننا نعتبر إجماع كل قوم في علمهم وفنهم الذي يجمعون عليه, فإذا قال لنا قائل مثلًا: إن الفقهاء أو إن أهل الكلام خالفوا في خبر الواحد، وقالوا: لا يمكن أن يفيد العلم، قلنا لا يهمنا مخالفتهم، إنما نحن ننظر إلي إجماع أهل الحديث وعلى هذا فقس.
[أمالي الشيخ]
بعد أن بين المصنف رحمه الله تعالى وتبعه الشارح أن المراسيل تقبل لقرائن تحفه بها تعلق بالمخبر كتعددهم وتباين بلدانهم وكونهم اجتمعوا على قدر كلي في المرسل أوجب قبوله, نبه أن هذه المعاني التي تُوجد في المخبر هي التي وجدت في جمهور ما في البخاري ومسلم, بحيث يقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله, لأن المخبرين بها هم من ثقات الرواة مما أوجب أن يتلقى أهل العلم كتاب البخاري ومسلم بالقبول والتصديق ثم تلقت الأمة جمعاء هذين الكتابين بالقبول, إلا أفرادا قليلة كما قال ابن الصلاح والنووي وغيرهما, تجاذبت أنظار أهل العلم في ثبوتها, ومثل هذا كما ذكر أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا أوجب العلم. لأنه احتف به من القرائن ما يدل على صدقه كثقة رواته, فإن الحديث الذي رواه الثقات أو تسلسل به رواية الحفاظ أو تلقته الأمة بالقبول اقترن به قرينة أوجبت العمل به وتصديقه, فصار مفيدًا لليقين موجبا للعلم مثمرا لوجوب