القرآن لفظان متغايران, وبينهما ثلاثةُ فروقٍ ذاتُ تأثير في معناهما:
الفرق الأول: أن التفكر مُتعلقه الآيات الكونية. أما التدبر فمتعلقه الآيات الشرعية.
فحيث أتى الأمر بالتفكر, فهو منصرف إلى آيات الكون, وحيث أتى الأمر بالتدبر فهو منصرف إلى آيات الشرع ورأسها القرآن الكريم.
والثاني: أن مقصود التفكر هو الإقرار بالربوبية. أما مقصود التدبر فهو الإقرار بالإلوهية.
ولهذا جعل محلُ التفكر هو آيات الكون التي تفضي بالمتفكر فيها إلى الإقرار بأن لهذا الكون ربَّا, أما التدبر قد جعل متعلقه هو الآيات الشرعية التي تثمر في قلب صاحبها محبةَ الله سبحانه وتعالى وتعظيمة.
وثالثها: أن التفكر آلته البَصر. والتدبر آلته البصيرة.
فمن أراد أن يُعمل ما أمر به في الآيات الكونية فأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا بإطلاق بصره فيها, وأما الآيات الشرعية فإن مردها إعمال الأمر فيها هو إلى البصيرة, ولهذا لا يوجد فلكيٌّ أو جيلوجيٌّ أعمى, لأن ذلك لا يمكن بلا بصر, ويوجد فقيهٌ ومحدثٌ ومفسرٌ أعمى لأن له بصيرة.
فهذه فروق ثلاثة بين التفكر والتدبر يُعلم بها أن حظ القرآن من ذلك هو تدبرُ آياته.
فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين.
والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بَهرجٌ [1] ولا منقود.
الشرح