قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} هذه الجملة جملة شرطية، لأن أصلها إنْ مَا، وما زائدة للتوكيد، وفعل الشرط: يأتينكم, وجواب الشرط جملة: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاى} , وهذه الجملة أيضًا جملة شرطية, فالجملة الشرطية الثانية- من فعل الشرط وجوابه- جواب للشرط الأول.
وقوله تعالي: {فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} أي: لا يضل في علمه, ولا يشقي في عمله, وقيل: لا يضل في الدنيا ولا يشقي في الآخرة, والمعنيان متلازمان، لكن الغالب أن الضلال في مقابلة العلم والهدي، وأن الشقاء في مقابلة السعادة.
وقوله تعالي: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] قيل: إن المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر، وأنه يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
وقيل: إن المراد بالمعيشة الضنك معيشته في الدنيا، وأنه وإن كان في سرور ظاهر، فإن قلبه في ضيق وضنك، كما قال الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام:125] , وكما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل:97] , فإن هذا يدل على أن من ليس كذلك فحياته غير طيبة.
وقوله تعالي: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} , وذلك حسًا ومعني، ولهذا يقول: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} , {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} يعني تركتها ولم تعمل بها، {وَكَذَلِكَ الْيَوْم تُنْسَى} يعني تترك.
والشاهد أن هذا فيه دليل على أن التمسك بهذا القرآن سبب للسعادة في الدنيا والآخرة، وأن المتمسك به لا يضل ولا يشقى، وأن الإعراض عنه سبب للشقاء