فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 215

بطالب علم حتى, فضلا أن يكون عالما يرفع نفسه عن قدرها الذي ينبغي أن تكون عليه, فاختلط الحابل بالنابل, وماج الحاجُّ بالداجّ, وقد ذُكر أن العلامة حمد بن فارس رحمه الله تعالى أحد علماء نجد -المتوفى سنة خمسٍ وأربعين بعد الثلاثمائة وألف- وكان رأسًا في العلم ولاسيما العربية, وهو يُلقب (بنحوي نجد) , خرج ذات مرةٍ -في بعض جهات نجد- في أمر بُعث إليه, فمر بمسجد من المساجد فدخله, وصلى فيه فلما صلى وجد أن الناس اجتمعوا في ناحية من نواحيه, فرغب أن يُشركهم في حضور مجلس العلم, فجلس إلى من كان يُدرس, ثم سمع منه أشياء عجيبة, فقام رحمه الله تعالى وخرج, وكتب على باب المسجد أبيات أبي علي الفالي:

تصدر لتدرس كل مهوكٍ ... بليدٍ تسمى بالفقيه المدرس

فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيتٍ قديم شاع في كل مجلس

لقد هَزلت حتى بدا من هُزالها ... كُلاها وحتى سامها كلُّ مُفلس

وإذا كان هذا زمن المتقدم مع كثرة أهل العلم وقلَّة لأدعياء, فكيف في هذا الزمن الذي كثرت فيه الأهواء؟! كما قال الشارح: حتى أنك لتجد في المسألة التي ليس فيه ما سبق إلا قول واحدا أو قولان, تجد فيها عدة أقوال؛ لأن العلم قليل والهوى كثير. بل صارت أقوال تحدث لم يتكلم أحد من أهل العلم رحمهم الله تعالى, كتفسير كفالة اليتيم بأنها الإنفاق عليه, فقد صار بعض الناس يُسمى الصدقة على اليتيم كفالة, وهذا معنى حادث لم يقل به أحد من أهل العلم, فإن كفالة اليتيم إنما تكون بضمه إليه, وكونه راعيًّ له في إصلاح دينه, وتقويم أخلاقه, والإنفاق عليه, أما كونه في بلد آخر تُبعث إليه به النفقة فهذا لا يسمى: كفالة. وإنما يسمى: صدقة. وعلى هذا فقف.

ثم بين رحمه الله تعالى منزلة التابعين في التفسير أنهم تلقوه عن الصحابة كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها. ولهذا عُظم تفسير مجاهد كما قال الثوري: إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبك به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت