لقد اقتضت حكمة الحكيم العليم أن هذه الأرزاق في البر والبحر التي ضمنها للناس والأقوات التي قدرها والمعايش التي يسرها لا تنال إلا بجهد يبذل وعمل يؤدى ولهذا رتب الله سبحانه وتعالى الأكل من رزقه على المشي في مناكب أرضه فقال: [فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ] فمن مشى أكل ومن كان قادرًا على المشي ولم يمشي كان جديرًا ألا يأكل [1] .
2 ـ ومن الناس من يدع العمل بحجة التبتل لطاعة الله والانقطاع للعبادة التي من أجلها خلق الله الإنس والجن: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [2] .
وهؤلاء علمهم رسول البشرية (ص) ، أن لا رهبانية في الإسلام وأن العمل الدنيوي إذا صحت فيه النية وأتقنه صاحبه وراعى فيه أحكام الإسلام فهو عبادة لله يتقرب بها المسلم لربه ومن أولى ذلك وأحقه سعي الإنسان على نفسه ومن يعول بل رفع الإسلام منزلة هذا العمل ليجعله نوعًا من الجهاد يقول تعالى: [وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] [3] .
وبعض الناس يدع العمل إما لظنه أن هذه المهنة أو تلك مهنة ممتهنة أو لأنه عجز عن أن يجد عملًا لنفسه في بلده الذي ولد وعاش فيه أو لأنه يعيش على ما يأتيه من الزكوات والصدقات وكل هؤلاء أخطأوا في مسلكهم فالعمل مهنة شريفة مهما كان نوعه فكل ميسر لما خلق له والناس يخدم بعضهم بعضًا في هذا المجال، وتلك من سنن عمارة هذا الكون ولا عجب أن رأينا أعلام المسلمين ومشاهيرهم ينتسبون إلى حرفهم وما يزاولون من أعمال. ولقد ملأ سمع الدنيا وبصرها أسماء لامعة مثل البزاز والقفال والزجاج والخراز والجصاص والخواص والخياط والصبان والقطان وغيرها ممن كان لهم أثر بارز في تشييد حضارة الإسلام الخالدة.
(1) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام ص 44
(2) سورة الذاريات: الآية 56.
(3) سورةالمزمل: الآية 20.