حاول ابن حجر الهيتمي في الزواجر الجمع بين الرأيين السابقين، فذكر أن الإسكار يطلق ويراد منه مطلق تغطية العقل وهذا إطلاق أعم ويطلق ويراد منه تغطية العقل مع نشوة وطرب وهذا إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار حيث أطلق.
وعلى ذلك فمن أطلق الإسكار على الحشيشة ونحوها أراد به المعنى الأخص وهو الإسكار مع النشوة والطرب [1] .
ولعل ثمرة الخلاف بين الرأيين السابقين تتضح في أمرين أساسين:
الأول: حكم التداوي بهذه المواد.
الثاني: عقوبة متعاطيها.
والذي لا نشك فيه رجحان الرأي الأول القائل بأنها مسكرة وتعطى حكم المسكر من كل وجه ذلك أن المخدرات تدخل في عموم المسكرات التي تغيب العقل وتحجبه إذ لكل من المخدرات والمسكرات تأثير واحد حجب العقل وإذهابه. ثم إن في المخدرات من المفاسد والأضرار مثل ما في الخمر من حيث إضاعة المال وإثارة العداوة والبغضاء بين الناس والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة فمتعاطي الخمر أو المخدرات كلاهما يفقد وعيه ويتصرف تصرفات طائشة تثير الشقاق والخلاف والعدواة والبغضاء ثم إن العقل مناط التكليف وكيف لعقل أن يستجيب للتكاليف الشرعية وقد زال بالمخدر أو كاد أن يزول.
المبحث الثاني
حكم التداوي بالمخدرات
هناك اتفاق بين العلماء على حرمة تناول القدر المؤثر على العقل من هذه المواد. كما اتفقوا أيضًا على حرمة تناول اليسير منها إذا كان يقصد اللهو أو اللذة أو المتعة أو غير ذلك من المقاصد التي لا يعتبرها الشارع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (. . . هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر والسكر منها حرام باتفاق المسلمين. . .) [2] .
وقال في تهذيب الفروق: (. . . اتفق فقهاء العصر على المنع من النبات المعروف بالحشيشة التي يتعاطاها أهل الفسوق أعني كثيرها المغيب للعقل. . .) [3] .
(1) الزواجر ج 1 ص 213، 214.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 34 ص 210.
(3) تهذيب الفروق بهامش الفروق ج 1 ص 214.