ولقد كان كرام العرب ينفرون من هذه الخصلة، ويذمون فاعلها غاية الذم؛ بل لقد كان من مفاخرهم رعايتهم للجارة، وحرصهم على حمايتها، وصون كرامتها، وغض الطرف عنها، وعدم التطلع إليها، أو الطمع فيها [1] .
قالت عائشة_رضي الله عنها_: =ما تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين ألا تنزل بين أبويها+ [2] .
قال بشار بن بشر المجاشعي:
وإني لَعَفٌّ عن زيارة جارتي ... وإني لمشنوءٌ لديَّ اغتيابُها
إذا غاب عنها بَعْلُها لم أكن لها ... زؤورًا ولم تأنس إليَّ كلابُها
ولم أك طلاَّبًا أحاديث سِرِّها ... ولا عالمًا من أي جنس ثيابها [3]
وهذا الأعشى يقول:
ولا تقرَبَنَّ جارةً إنَّ سِرَّها ... عليك حرامٌ فانكِحَنْ أو تأبَّدا [4]
ويقول في موضع آخر:
وجارة جنبِ البيتِ لا تبغِ سِرَّها ... فإنك لا تخفى على الله خافيا [5]
وهذا حاتم الطائي يُقبِّح أن يطمع ذو المروءة بجارته، أو أن تحدِّثه نفسه بزيارتها تحت جنح الليل فيقول:
(1) انظر: الجوار عند العرب ص 92
(2) عيون الأخبار 3/ 23.
(3) بهجة المجالس 1/ 291.
(4) ديوان الأعشى ص 28.
(5) ويروى البيت: وجاره جنب البيت لا تنع سرها.
قوله: لا تنع أي لا تظهر وتفشي. انظر: ديوان الأعشى ص 218.